فخر الدين الرازي

446

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

اعلم أن في كيفية النظم وجهين : الأول : أنه تعالى لما أمر المكلفين في هذه الآيات ببذل النفس وبذل المال في سبيل اللّه وبالغ في تقرير ذلك ، شرع بعد ذلك في حكاية شبهات القوم في الطعن في نبوته . فالشبهة الأولى : أنه تعالى لما أمر بإنفاق الأموال في سبيله قالت الكفار : إنه تعالى لو طلب الانفاق في تحصيل مطلوبه لكان فقيرا عاجزا ، لأن الذي يطلب المال من غيره يكون فقيرا ، ولما كان الفقر على اللّه تعالى محالا ، كان كونه طالبا للمال من عبيده محالا ، وذلك يدل على أن محمدا كاذب في إسناد هذا الطلب إلى اللّه تعالى . الوجه الثاني : في طريق النظم أن أمة موسى عليه السلام كانوا إذا أرادوا التقرب بأموالهم إلى اللّه تعالى ، فكانت تجيء نار من السماء فتحرقها ، فالنبي صلى اللّه عليه وسلم لما طلب منهم بذل الأموال في سبيل اللّه قالوا له لو كنت نبياً لما طلبت الأموال لهذا الغرض ، فإنه تعالى ليس بفقير حتى يحتاج في إصلاح دينه إلى أموالنا ، بل لو كنت نبياً لكنت تطلب أموالنا لأجل أن تجيئها نار من السماء فتحرقها ، فلما لم تفعل ذلك عرفنا أنك لست بنبي ، فهذا هو وجه النظم ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه يبعد من العاقل أن يقول إن اللّه فقير ونحن أغنياء ، بل الإنسان إنما يذكر ذلك إما على سبيل الاستهزاء أو على سبيل الإلزام ، وأكثر الروايات أن هذا القول إنما صدر عن اليهود ، روي أنه صلى اللّه عليه وسلم كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا اللّه قرضا حسنا ، فقال فنحاص اليهودي : إن اللّه فقير حتى سألنا القرض ، فلطمه أبو بكر في وجهه وقال : لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك ، فشكاه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وجحد ما قاله ، فنزلت هذه الآية تصديقا لأبي بكر رضي اللّه عنه . وقال آخرون : لما أنزل اللّه تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [ البقرة : 245 ] قالت اليهود : نرى إله محمد يستقرض منا ، فنحن إذن أغنياء وهو فقير ، وهو ينهانا عن الربا ثم يعطينا الربا ، وأرادوا قوله : فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً . واعلم أنه ليس في الآية تعيين هذا القائل ، إلا أن العلماء نسبوا هذا القول إلى اليهود واحتجوا عليه بوجوه : أحدها : أن اللّه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : إن يد اللّه مغلولة : يعنون أنه بخيل بالعطاء وذلك الجهل مناسب للجهل المذكور في هذه الآية . وثانيها : ما روي في الخبر أنهم تكلموا بذلك على ما رويناه في قصة أبي بكر . وثالثها : أن القول بالتشبيه غالب على اليهود ، ومن قال بالتشبيه لا يمكنه إثبات كونه تعالى قادرا على كل المقدورات ، وإذا عجز عن إثبات هذا الأصل عجز عن بيان أنه غني وليس بفقير . والوجه الرابع : أن موسى عليه الصلاة والسلام لما طلب منهم أن يوافقوه في مجاهدة الأعداء قالوا : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون . فموسى عليه السلام لما طلب منهم الجهاد بالنفس قالوا : لما كان الإله قادرا فأي حاجة به إلى جهادنا ، وكذا هاهنا أن محمدا عليه الصلاة والسلام لما طلب منهم الجهاد ببذل المال قالوا : لما كان الإله غنيا فأي حاجة به إلى أموالنا فكان إسنادهم هذه الشبهة إلى اليهود لائقا من هذا الوجه ، وإن كان لا يمتنع أن يكون غيرهم من الجهال قد قال ذلك . والأظهر أنهم قالوه على سبيل الطعن في نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، يعني لو صدق محمد في / أن الإله يطلب المال من عبيده لكان فقيرا ، ولما كان ذلك محالا ثبت أنه كاذب في هذه الإخبار ، أو ذكروه على سبيل الاستهزاء والسخرية ، فأما أن يقول العاقل مثل هذا الكلام عن اعتقاد فهو بعيد .