فخر الدين الرازي

422

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الواحدي فيه فقال : الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم ولا تقع التسلية إلا إذا كان واقعا بعلمه ، لأن علمه عام في جميع المعلومات بدليل قوله تعالى : وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ * [ فاطر : 11 ] . الوجه الثالث : أن المراد من الاذن الأمر ، بدليل قوله : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ [ آل عمران : 152 ] والمعنى أنه / تعالى لما أمر بالمحاربة ، ثم صارت تلك المحاربة مؤدية إلى ذلك الانهزام ، صح على سبيل المجاز أن يقال حصل ذلك بأمره . الوجه الرابع : وهو المنقول عن ابن عباس : أن المراد من الاذن قضاء اللّه بذلك وحكمه به وهذا أولى لأن الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم ، والتسلية إنما تحصل إذا قيل إن ذلك وقع بقضاء اللّه وقدره ، فحينئذ يرضون بما قضى اللّه . ثم قال : وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا والمعنى ليميز المؤمنين عن المنافقين وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : يقال : نافق الرجل فهو منافق إذا أظهر كلمة الايمان وأضمر خلافها ، والنفاق اسم إسلامي اختلف في اشتقاقه على وجوه : الأول : قال أبو عبيدة : هو من نافقاء اليربوع ، وذلك لأن جحر اليربوع له بابان : القاصعاء والنافقاء ، فإذا طلب من أيهما كان خرج من الآخر فقيل للمنافق أنه منافق ، لأنه وضع لنفسه طريقين ، إظهار الإسلام وإضمار الكفر ، فمن أيهما طلبته خرج من الآخر : الثاني : قال ابن الأنباري : المنافق من النفق وهو السرب ، ومعناه أنه يتستر بالإسلام كما يتستر الرجل في السرب . الثالث : أنه مأخوذ من النافقاء ، لكن على غير هذا الوجه الذي ذكره أبو عبيدة ، وهو أن النافقاء جحر يحفره اليربوع في داخل الأرض ، ثم إنه يرقق بما فوق الجحر ، حتى إذا رابه ريب دفع التراب برأسه وخرج ، فقيل للمنافق منافق لأنه يضمر الكفر في باطنه ، فإذا فتشته رمى عنه ذلك الكفر وتمسك بالإسلام . المسألة الثانية : قوله : وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ظاهره يشعر بأنه لأجل أن يحصل له هذا العلم أذن في تلك المصيبة ، وهذا يشعر بتجدد علم اللّه ، وهذا محال في حق علم اللّه تعالى ، فالمراد هاهنا من العلم المعلوم ، والتقدير : ليتبين المؤمن من المنافق ، وليتميز أحدهما عن الآخر حصل الاذن في تلك المصيبة ، وقد تقدم تقرير هذا المعنى في الآيات المتقدمة واللّه أعلم . المسألة الثالثة : في الآية حذف ، تقديره : وليعلم إيمان المؤمنين ونفاق المنافقين . فإن قيل : لم قال : وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا ولم يقل : وليعلم المنافقين . قلنا : الاسم يدل على تأكيد ذلك المعنى ، والفعل يدل على تجدده ، وقوله : وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ يدل على كونهم مستقرين على إيمانهم متثبتين فيه ، وأما نافَقُوا فيدل على كونهم إنما شرعوا في الأعمال اللائقة بالنفاق في ذلك الوقت . ثم قال تعالى : وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا وفيه مسائل : المسألة الأولى : في أن هذا القائل من هو ؟ وجهان : الأول : قال الأصم : إنه الرسول عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم إلى القتال . الثاني : روي أن عبد اللّه بن أبي بن سلول لما خرج بعسكره إلى أحد قالوا : لم نلقي أنفسنا في القتل ، فرجعوا وكانوا ثلاثمائة من جملة الألف الذين خرج بهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لهم عبد اللّه