فخر الدين الرازي

423

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ابن عمرو بن حرام أبو جابر بن عبد اللّه الأنصاري : أذكركم اللّه أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند حضور العدو ، فهذا هو المراد من قوله تعالى : وَقِيلَ لَهُمْ يعني قول عبد اللّه هذا . المسألة الثانية : قوله : قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا يعني إن كان في قلبكم حب الدين والإسلام فقاتلوا للدين والإسلام ، وإن لم تكونوا كذلك ، فقاتلوا دفعاً عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم ، يعني كونوا إما من رجال الدين ، أو من رجال الدنيا . قال السدي وابن جريج : ادفعوا عنا العدو بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا ، قالوا : لأن الكثرة أحد أسباب الهيبة والعظمة ، والأول هو الوجه . المسألة الثالثة : قوله تعالى : قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا تصريح بأنهم قدموا طلب الدين على طلب الدنيا ، وذلك يدل على أن المسلم لا بد وأن يقدم الدين على الدنيا في كل المهمات . ثم قال تعالى : قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ وهذا هو الجواب الذي ذكره المنافقون وفيه وجهان : الأول : أن يكون المراد أن الفريقين لا يقتتلان البتة ، فلهذا رجعنا . الثاني : أن يكون المعنى لو نعلم ما يصلح أن يسمى قتالا لاتبعناكم ، يعني أن الذي يقدمون عليه لا يقال له قتال ، وإنما هو إلقاء النفس في التهلكة لأن رأي عبد اللّه كان في الإقامة بالمدينة ، وما كان يستصوب الخروج . واعلم أنه إن كان المراد من هذا الكلام هو الوجه الأول فهو فاسد ، وذلك لأن الظن في أحوال الدنيا قائم مقام العلم ، وأمارات حصول القتال كانت ظاهرة في ذلك اليوم ، ولو قيل لهذا المنافق الذي ذكر هذا الجواب : فينبغي لك لو شاهدت من شهر سيفه في الحرب أن لا تقدم على مقاتلته لأنك لا تعلم منه قتالا ، وكذا القول في سائر التصرفات في أمور الدنيا ، بل الحق أن الجهاد واجب عند ظهور أمارات المحاربة ، ولا أمارات أقوى من قربهم من المدينة عند جبل أحد ، فدل ذكر هذا الجواب على غاية الخزي والنفاق ، وإنه كان غرضهم من ذكر هذا الجواب إما التلبيس ، وإما الاستهزاء . وأما إن كان مراد المنافق هو الوجه الثاني فهو أيضاً باطل ، لأن اللّه تعالى لما وعدهم بالنصرة والإعانة لم يكن الخروج إلى ذلك القتال إلقاء للنفس في التهلكة . ثم إنه بين حالهم عندما ذكروا هذا الجواب فقال : هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ وفيه مسائل : المسألة الأولى : في التأويل وجهان : الأول : أنهم كانوا قبل هذه الواقعة يظهرون الايمان من أنفسهم وما ظهرت منهم أمارة تدل على كفرهم ، فلما رجعوا عن عسكر المؤمنين تباعدوا بذلك عن أن يظن بهم كونهم مؤمنين . واعلم أن رجوعهم عن معاونة المسلمين دل على أنهم ليسوا من المسلمين ، وأيضاً قولهم : لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ يدل على أنهم ليسوا من المسلمين ، وذلك لأنا بينا أن هذا الكلام يدل إما على السخرية بالمسلمين ، وإما على عدم الوثوق بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم وكل واحد منهما كفر . الوجه الثاني : في التأويل أن يكون المراد أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان ، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانعزال يجر إلى تقوية المشركين . المسألة الثانية : قال أكثر العلماء : إن هذا تنصيص من اللّه تعالى على أنهم كفار ، قال الحسن إذا قال اللّه تعالى : أَقْرَبُ فهو اليقين بأنهم مشركون ، وهو مثل قوله : مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فهذه الزيادة لا شك فيها ،