فخر الدين الرازي
366
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والجواب فيه وجهان : الأول : أنه لما كان العرض ذلك فالظاهر أن الطول يكون أعظم ونظيره قوله : بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ [ الرحمن : 54 ] وإنما ذكر البطائن لأن من المعلوم أنها تكون أقل حالا من الظهارة ، فإذا كانت البطانة هكذا فكيف الظهارة ؟ فكذا هاهنا إذا كان العرض هكذا فكيف الطول والثاني : قال القفال : ليس المراد بالعرض هاهنا ما هو خلاف الطول ، بل هو عبارة عن السعة كما تقول العرب : بلاد عريضة ، ويقال هذه دعوى عريضة ، أي واسعة عظيمة ، والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق ، وما ضاق عرضه دق ، فجعل العرض كناية عن السعة . السؤال الثالث : أنتم تقولون : الجنة في السماء فكيف يكون عرضها كعرض السماء ؟ والجواب من وجهين : الأول : أن المراد من قولنا إنها فوق السماوات وتحت العرش ، قال عليه السلام : في صفة الفردوس « سقفها عرش الرحمن » و روي أن رسول هرقل سأل النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال : إنك تدعو إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين فأين النار ؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : سبحان اللّه فأين الليل إذا جاء النهار . والمعنى واللّه أعلم أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم والليل في ضد ذلك الجانب ، فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل ، وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي الأرض أم في السماء ؟ فقال : وأي أرض وسماء تسع الجنة ، قيل فأين هي ؟ قال : فوق السماوات السبع تحت العرش . والوجه الثاني : أن الذين يقولون الجنة والنار غير مخلوقتين الآن ، بل اللّه تعالى يخلقهما بعد قيام القيامة ، فعلى هذا التقدير لا يبعد أن تكون الجنة مخلوقة في مكان السماوات والنار في مكان الأرض واللّه أعلم . أما قوله : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ فظاهره يدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن وقد سبق تقرير ذلك . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 134 ] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 134 ) اعلم أنه تعالى لما بين أن الجنة معدة للمتقين ذكر صفات المتقين حتى يتمكن الإنسان من اكتساب الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات . فالصفة الأولى : قوله : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وفيه وجوه : الأول : أن المعنى أنهم في حال الرخاء واليسر والقدرة والعسر لا يتركون الإنفاق ، وبالجملة فالسراء هو الغنى ، والضراء هو الفقر . يحكى عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة ، وعن عائشة رضي اللّه عنها أنها تصدقت بحبة عنب ، والثاني : أن المعنى أنهم سواء كانوا في سرور أو في حزن أو في عسر أو في يسر فإنهم لا يدعون الإحسان إلى الناس ، الثالث : المعنى أن ذلك الإحسان والإنفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم ، أو ساءهم بأن كان على خلاف طبعهم فإنهم لا يتركونه ، وإنما افتتح اللّه بذكر الإنفاق لأنه طاعة شاقة ولأنه كان في ذلك الوقت أشرف الطاعات لأجل الحاجة اليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين . الصفة الثانية : قوله تعالى : وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وفيه مسألتان . المسألة الأولى : يقال : كظم غيظه إذا سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل قال المبرد : تأويله أنه كتم على امتلائه منه ، يقال : كظمت السقاء إذا ملأته وسددت عليه ، ويقال : فلان لا يكظم على جرته إذا كان لا