فخر الدين الرازي
367
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يحتمل شيئا ، وكل ما سددت من مجرى ماء أو باب أو طريق فهو كظم ، والذي يسد به يقال له الكظامة والسدادة ، ويقال للقناة التي تجري في بطن الأرض كظامة ، لا لامتلائها بالماء كامتلاء القرب المكظومة ، ويقال : أخذ فلان بكظم فلان إذا أخذ بمجرى نفسه ، لأنه موضع الامتلاء بالنفس ، وكظم البعير كظم البعير كظوماً إذا أمسك على ما في جوفه ولم يجتر ، ومعنى قوله : وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ الذين يكفون غيظهم عن الإمضاء ويردون غيظهم في أجوافهم ، وهذا الوصف من أقسام الصبر والحلم وهو كقوله : وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [ الشورى : 37 ] . المسألة الثانية : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ اللّه قلبه أمنا وإيمانا » و قال عليه السلام لأصحابه « تصدقوا » فتصدقوا بالذهب والفضة والطعام ، وأتاه الرجل بقشور التمر فتصدق به ، وجاءه آخر فقال واللّه ما عندي ما أتصدق به ، ولكن أتصدق بعرضي فلا أعاقب أحدا بما يقوله في حديثه ، فوفد إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من قوم ذلك الرجل وفد ، فقال عليه السلام : « لقد تصدق منكم رجل بصدقة ولقد قبلها اللّه منه تصدق بعرضه » و قال عليه السلام : « من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه زوجه اللّه من الحور العين حيث يشاء » و قال عليه السلام : « ما من جرعتين أحب إلى اللّه من جرعة موجعة يجرعها صاحبها بصبر وحسن / عزاء ومن جرعة غيظ كظمها » و قال عليه السلام « ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب » . الصفة الثالثة : قوله تعالى : وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ قال القفال رحمه اللّه : يحتمل أن يكون هذا راجعا إلى ما ذم من فعل المشركين في أكل الربا ، فنهي المؤمنون عن ذلك وندبوا إلى العفو عن المعسرين . قال تعالى عقيب قصة الربا والتداين وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [ البقرة : 280 ] ويحتمل أن يكون كما قال في الدية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [ البقرة : 178 ] إلى قوله : وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [ البقرة : 280 ] ويحتمل أن يكون هذا بسبب غضب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين مثلوا بحمزة وقال : « لأمثلن بهم » فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والكف عن فعل ما ذكر أنه يفعله من المثلة ، فكان تركه فعل ذلك عفوا ، قال تعالى في هذه القصة وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [ النحل : 126 ] قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه » و روي عن عيسى بن مريم صلوات اللّه عليه : ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك ذلك مكافأة انما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك . أما قوله تعالى : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فاعلم أنه يجوز أن تكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون ، وأن تكون للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء . واعلم أن الإحسان إلى الغير إما أن يكون بإيصال النفع اليه أو بدفع الضرر عنه . أما إيصال النفع اليه فهو المراد بقوله : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ويدخل فيه إنفاق العلم ، وذلك بأن يشتغل بتعليم الجاهلين وهداية الضالين ، ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه الخيرات والعبادات وأما دفع الضرر عن الغير فهو إما في الدنيا وهو أن لا يشتغل بمقابلة تلك الإساءة أخرى ، وهو المراد بكظم الغيظ ، وإما في الآخرة وهو أن يبرئ ذمته عن التبعات والمطالبات في الآخرة ، وهو المراد بقوله تعالى : وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير ، ولما كانت هذه الأمور الثلاثة مشتركة في كونها إحسانا إلى الغير ذكر ثوابها فقال : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فإن محبة اللّه للعبد أعم درجات الثواب . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 135 إلى 136 ] وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 135 ) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ( 136 ) [ في قوله تعالى وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ]