فخر الدين الرازي

395

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

شاء بحكم الإلهية ، وأما على قول من يعتبر المصالح في أفعال اللّه وأحكامه ، فلا يبعد أن يكون للّه تعالى في التخلية بين الكافر والمسلم ، بحيث يقهر الكافر المسلم ، حكم خفية وألطاف مرعية ، فإن الدنيا دار الامتحان والابتلاء ، ووجوه المصالح مستورة عن العقول ، فربما كانت المصلحة في التخلية بين الكافر والمؤمن حتى يقهر الكافر المؤمن ، وربما كانت المصلحة في تسليط الفقر والزمانة على المؤمنين . قال القفال : لو كان كون المؤمن محقاً يوجب زوال هذه المعاني لوجب أن يضطر الناس إلى معرفة المحق بالجبر ، وذلك ينافي التكليف واستحقاق الثواب والعقاب ، بل الإنسان إنما يعرف كونه محقاً بما معه من الدلائل والبينات ، فأما القهر فقد يكون من المبطل للمحق ، ومن المحق للمبطل ، وهذه جملة كافية في بيان أنه لا يجوز الاستدلال بالدولة والشوكة ووفور القوة على أن صاحبها على الحق . الثاني : أن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون إله العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات ، وينكرون النبوة والبعث ، فلا جرم ما وثقوا بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم في أن اللّه يقويهم وينصرهم . المسألة الثانية : غَيْرَ الْحَقِّ في حكم المصدر ، ومعناه : يظنون باللّه غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به و ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ بدل منه ، والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق : أديان كثيرة ، وأقبحها مقالات أهل الجاهلية ، فذكر أولا أنهم يظنون باللّه غير الظن الحق ، ثم بين أنهم اختاروا من أقسام الأديان التي غير حقة أركها وأكثرها بطلانا ، وهو ظن أهل الجاهلية ، كما يقال : فلان دينه ليس بحق ، دينه دين الملاحدة . المسألة الثالثة : في قوله : ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ قولان : أحدهما : أنه كقولك : حاتم الجود ، وعمر العدل ، يريد الظن المختص بالملة الجاهلية ، والثاني : المراد ظن أهل الجاهلية . الصفة الثانية : من الصفات التي ذكرها اللّه تعالى لهؤلاء المنافقين قوله تعالى : يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ . واعلم أن قوله هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ حكاية للشبهة التي تمسك أهل النفاق بها ، وهو يحتمل وجوها : الأول : أن عبد اللّه بن أبي لما شاوره النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذه الواقعة أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة ، ثم إن الصحابة ألحوا على النبي صلى اللّه عليه وسلم في أن يخرج إليهم ، فغضب عبد اللّه بن أبي من ذلك ، فقال عصاني وأطاع الولدان ، ثم لما كثر القتل في بني الخزرج ورجع عبد اللّه بن أبي قيل له : قتل بنو الخزرج ، فقال : هل لنا من الأمر من شيء ، يعني أن محمداً لم يقبل قولي حين أمرته بأن يسكن في المدينة ولا يخرج منها ، ونظيره ما حكاه اللّه عنهم أنهم قالوا : لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا [ آل عمران : 168 ] والمعنى : هل لنا من أمر يطاع وهو استفهام على سبيل الإنكار . الوجه الثاني في التأويل : أن من عادة العرب أنه إذا كانت الدولة لعدوه قالوا : عليه الأمر ، فقوله : هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ أي هل لنا من الشيء الذي كان يعدنا به محمد ، وهو النصرة والقوة شيء وهذا استفهام على سبيل الإنكار ، وكان غرضهم منه الاستدلال بذلك على أن محمداً صلى اللّه عليه وسلم كان كاذباً في ادعاء النصرة والعصمة من اللّه تعالى لأمته ، وهذا استفهام على سبيل الإنكار . الثالث : أن يكون التقدير : أنطمع أن تكون لنا الغلبة على هؤلاء ، والغرض منه تصبير المسلمين في التشديد في الجهاد والحرب مع الكفار ، ثم إن اللّه سبحانه أجاب عن هذه الشبهة بقوله : قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو ( كله ) برفع اللام ، والباقون بالنصب ، أما وجه الرفع فهو أن قوله : ( كله )