فخر الدين الرازي
396
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
مبتدأ وقوله : ( للّه ) خبره ، ثم صارت هذه الجملة خبراً لأن ، وأما النصب فلأن لفظة « كل » للتأكيد ، فكانت كلفظة أجمع ، ولو قيل : إن الأمر أجمع ، لم يكن إلا النصب ، فكذا إذا قال « كله » . المسألة الثانية : الوجه في تقرير هذا الجواب ما بينا : أنا إذا قلنا بمذهب أهل السنة لم يكن على اللّه اعتراض في شيء من أفعاله في الإماتة والإحياء ، والفقر والإغناء والسراء والضراء ، وإن قلنا بمذهب القائلين برعاية المصالح ، فوجوه المصالح مخفية لا يعلمها إلا اللّه تعالى ، فربما كانت المصلحة في إيصال السرور واللذة ، وربما كانت في تسليط الأحزان والآلام ، فقد اندفعت شبهة المنافقين من هذا الوجه . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع المحدثات بقضاء اللّه وقدره ، وذلك لأن المنافقين قالوا : إن محمدا لو قبل منا رأينا ونصحنا ، لما وقع في هذه المحنة ، فأجاب اللّه عنه بأن الأمر كله للّه ، وهذا الجواب : إنما ينتظم لو كانت أفعال العباد بقضاء اللّه وقدره ومشيئته إذ لو كانت خارجة عن مشيئته لم يكن هذا الجواب دافعا لشبهة المنافقين ، فثبت أن هذه الآية دالة على ما ذكرنا . وأيضا فظاهر هذه الآية مطابق للبرهان العقلي ، وذلك لأن الموجود ، إما واجب لذاته أو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته ، فثبت أن كل ما سوى اللّه تعالى مستند إلى إيجاده وتكوينه ، وهذه القاعدة لا اختصاص لها بمحدث دون محدث ، أو ممكن دون ممكن ، فتدخل فيه أفعال العباد وحركاتهم وسكناتهم ، وذلك هو المراد بقوله : قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ وهذا كلام في غاية الظهور لمن وفقه اللّه للإنصاف . ثم إنه تعالى قال : يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ [ إلى آخر الآية ] . واعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ، وهذا الكلام محتمل ، فلعل قائله كان من المؤمنين المحقين ، وكان غرضه منه إظهار الشفقة ، وأنه متى يكون الفرج ؟ ومن أين تحصل النصرة ؟ ولعله كان من المنافقين ، وإنما قاله طعنا في نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم وفي الإسلام فبين تعالى في هذه الآية أن غرض هؤلاء من هذا الكلام هذا القسم الثاني ، والفائدة في هذا التنبيه أن يكون النبي صلى اللّه عليه وسلم متحرزا عن مكرهم وكيدهم . النوع الثالث : من الأشياء التي حكى اللّه عن المنافقين ، قولهم : لو كان لنا من الأمر شيء ما قلنا هاهنا . وفيه إشكال ، وهو أن لقائل أن يقول : ما الفرق بين هذا الكلام وبين ما تقدم من قوله : هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ويمكن أن يجاب عنه من وجهين : الأول : أنه تعالى لما حكى عنهم قولهم : هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ فأجاب عنه بقوله : الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ واحتج المنافقون على الطعن في هذا الجواب بقولهم : لو كان لنا من الأمر شيء لما خرجنا من المدينة وما قتلنا هاهنا ، فهذا يدل على أنه ليس الأمر كما قلتم من أن الأمر كله للّه ، وهذا هو بعينه المناظرة الدائرة بين أهل السنة وأهل الاعتزال / فان السني يقول : الأمر كله في الطاعة والمعصية والإيمان والكفر بيد اللّه ، فيقول المعتزلي : ليس الأمر كذلك ، فإن الإنسان مختار مستقل بالفعل ، إن شاء آمن ، وإن شاء كفر ، فعلى هذا الوجه لا يكون هذا الكلام شبهة مستقلة بنفسها ، بل يكون الغرض منه الطعن فيما جعله اللّه تعالى جوابا عن الشبهة الأولى . والوجه الثاني : أن يكون المراد من قوله : هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ هو أنه هل لنا من النصرة التي وعدنا بها محمد شيء ، ويكون المراد من قوله : لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا هو ما كان يقوله عبد اللّه بن أبي من أن محمدا لو أطاعني وما خرج من المدينة ما قتلنا هاهنا . واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من ثلاثة أوجه :