فخر الدين الرازي

501

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

عليه في صغره هل هو مصدق ؟ قال مالك والشافعي : لا يصدق ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : يصدق ، واحتج الشافعي بهذه الآية فان قوله : فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ أمر ، وظاهر الأمر الوجوب ، وأيضا قال الشافعي : القيم غير مؤتمن من جهة اليتيم ، وإنما هو مؤتمن من جهة الشرع ، وطعن أبو بكر الرازي في هذا الكلام مع السفاهة الشديدة وقال : لو كان ما ذكره علة لنفي التصديق لوجب أن لا يصدق القاضي إذا قال لليتيم : قد دفعت إليك لأنه لم يأتمنه ، وكذلك يلزمه أن يقول في الأب إذا قال بعد بلوغ الصبي : قد دفعت مالك إليك أن لا يصدق لأنه لم يأتمنه ، ويلزمه أيضا أن يوجب الضمان عليهم إذا تصادقوا بعد البلوغ انه قد هلك لأنه أمسك ماله من غير ائتمان له عليه ، فيقال له : ان قولك هذا لبعيد عن معاني الفقه ، أما النقض بالقاضي فبعيد ، لأن القاضي حاكم فيجب إزالة التهمة عنه ليصير قضاؤه نافذا ، ولولا ذلك لتمكن كل من قضى القاضي عليه بأن ينسبه إلى الكذب والميل والمداهنة ، وحينئذ يحتاج القاضي إلى قاض آخر ، ويلزم التسلسل ، ومعلوم أن هذا المعنى غير موجود في وصي اليتيم ، وأما الأب فالفرق ظاهر لوجهين : أحدهما : ان شفقته أتم من شفقة الأجنبي ، ولا يلزم من قلة التهمة في حق الأب قلتها في حق الأجنبي ، وأما إذا تصادقوا بعد / البلوغ أنه قد هلك فنقول : ان كان قد اعترف بأنه هلك لسبب تقصيره فههنا يلزمه الضمان ، أما إذا اعترف بأنه هلك لا بتقصيره ، فههنا يجب أن يقبل قوله ، والا لصار ذلك مانعاً للناس من قبول الوصاية ، فيقع الخلل في هذا المهم العظيم ، فأما الاشهاد عند الرد اليه بعد البلوغ فإنه لا يفضي إلى هذه المفسدة فظهر الفرق ، ومما يؤكد هذا الفرق أنه تعالى ذكر قبل هذه الآية ما يدل على أن اليتيم حصل في حقه ما يوجب التهمة ، وهو قوله : وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وهذا يدل على جريان العادة بكثرة إقدام الولي على ظلم الأيتام والصبيان ، وإذن دلت هذه الآية على تأكد موجبات التهمة في حق ولي اليتيم . ثم قال بعده : فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا أشعر ذلك بأن الغرض منه رعاية جانب الصبي ؛ لأنه إذا كان لا يتمكن من ادعاء دفع المال اليه إلا عند حضور الشاهد ، صار ذلك مانعاً له من الظلم والبخس والنقصان ، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن قوله : فَأَشْهِدُوا كما أنه يجب لظاهر الإيجاب ، فكذلك يجب أن القرائن والمصالح تقتضي الإيجاب ، ثم قال هذا الرازي ، ويدل على أنه مصدق فيه بغير إشهاد ، اتفاق الجميع على أنه مأمور بحفظه وإمساكه على وجه الأمانة حتى يوصله إلى اليتيم في وقت استحقاقه ، فهو بمنزلة الودائع والمضاربات ، فوجب أن يكون مصدقا على الرد كما يصدق على رد الوديعة ، فيقال له : أما الفرق بين هذه الصورة وصورة الوديعة فقد ذكره الشافعي رضي اللّه تعالى عنه ، واعتراضك على ذلك الفرق قد سبق إبطاله ، وأيضاً فعادتك ترك الالتفات إلى كتاب اللّه لقياس ركيك تتخيله ، ومثل هذا الفقه مسلم لك ، ولا يجب المشاركة فيه معك وباللّه التوفيق . ثم قال تعالى : وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً قال ابن الأنباري والأزهري : يحتمل أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب ، وأن يكون بمعنى الكافي ، فمن الأول قولهم للرجل للتهديد : حسبه اللّه ومعناه يحاسبه اللّه على ما يفعل من الظلم ، ونظير قولنا الحسيب بمعنى المحاسب ، قولنا الشريب بمعنى المشارب ، ومن الثاني قولهم : حسيبك اللّه أي كافيك اللّه . واعلم أن هذا وعيد لولي اليتيم وإعلام له أنه تعالى يعلم باطنه كما يعلم ظاهره لئلا ينوي أو يعمل في ماله ما لا يحل ، ويقوم بالأمانة التامة في ذلك إلى أن يصل اليه ماله ، وهذا المقصود حاصل سواء فسرنا الحسيب بالمحاسب أو بالكافي .