فخر الدين الرازي
502
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
واعلم أن الباء في قوله : وَكَفى بِاللَّهِ وَكَفى بِرَبِّكَ * [ الإسراء : 65 ] في جميع القرآن زائدة ، هكذا نقله الواحدي عن الزجاج و حَسِيباً نصب على الحال أي كفى اللّه حال كونه محاسبا ، وحال كونه كافيا . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 7 ] لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 7 ) اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة وهو ما يتعلق بالمواريث والفرائض وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في سبب نزول هذه الآية قال ابن عباس : ان أوس بن ثابت الأنصاري توفي عن ثلاث بنات وامرأة ، فجاء رجلان من بني عمه وهما وصيان له يقال لهما : سويد ، وعرفجة وأخذا ماله . فجاءت امرأة أوس إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وذكرت القصة ، وذكرت أن الوصيين ما دفعا إلى بناته شيئا من المال ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم « ارجعي إلى بيتك حتى أنظر ما يحدث اللّه في أمرك » فنزلت على النبي صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية ، ودلت على أن للرجال نصيبا وللنساء نصيبا ، ولكنه تعالى لم يبين المقدار في هذه الآية ، فأرسل الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى الوصيين وقال : « لا تقربا من مال أوس شيئاً » ثم نزل بعد : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [ النساء : 11 ] ونزل فرض الزوج وفرض المرأة ، فأمر الرسول عليه الصلاة والسلام الوصيين أن يدفعا إلى المرأة الثمن ويمسكا نصيب البنات ، وبعد ذلك أرسل عليه الصلاة والسلام إليهما أن ادفعا نصيب بناتها إليها فدفعاه إليها ، فهذا هو الكلام في سبب النزول . المسألة الثانية : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ، ويقولون لا يرث إلا من طاعن بالرماح وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة ، فبين تعالى أن الإرث غير مختص بالرجال ، بل هو أمر مشترك فيه بين الرجال والنساء ، فذكر في هذه الآية هذا القدر ، ثم ذكر التفصيل بعد ذلك ولا يمتنع إذا كان للقوم عادة في توريث الكبار دون الصغار ودون النساء ، أن ينقلهم سبحانه وتعالى عن تلك العادة قليلا قليلًا على التدريج ، لأن الانتقال عن العادة شاق ثقيل على الطبع ، فإذا كان دفعة عظم وقعه على القلب ، وإذا كان على التدريج سهل ، فلهذا المعنى ذكر اللّه تعالى هذا المجمل أولا ، ثم أردفه بالتفصيل . المسألة الثالثة : احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام قال : / لأن العمات والخالات والأخوال وأولاد البنات من الأقربين ، فوجب دخولهم تحت قوله : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ أقصى ما في الباب أن قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية ، إلا أنا نثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية ، وأما المقدار فنستفيده من سائر الدلائل . وأجاب أصحابنا عنه من وجهين : أحدهما : انه تعالى قال في آخر الآية نَصِيباً مَفْرُوضاً أي نصيبا مقدرا ، وبالإجماع ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر ، فثبت أنهم ليسوا داخلين في هذه الآية ، وثانيهما : أن هذه الآية مختصة بالأقربين ، فلم قلتم إن ذوي الأرحام من الأقربين ؟ وتحقيقه أنه إما أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب من شيء آخر ، أو المراد منه من كان أقرب من جميع الأشياء ، والأول باطل ؛ لأنه يقتضي دخول أكثر الخلق فيه ، لأن كل إنسان له نسب مع غيره إما بوجه قريب أو بوجه بعيد ، وهو الانتساب إلى آدم عليه السلام ،