فخر الدين الرازي
483
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والجواب عنه على طريقين : الأول : أن نقول المراد من اليتامى الذين بلغوا أو كبروا ثم فيه وجهان : أحدهما : أنه تعالى سماهم يتامى على مقتضى أصل اللغة ، والثاني : أنه تعالى سماهم باليتامى لقرب عهدهم باليتم وان كان قد زال في هذا الوقت كقوله تعالى : فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ [ الأعراف : 120 ] أي الذين كانوا سحرة قبل السجود ، وأيضاً سمى اللّه تعالى مقاربة انقضاء العدة ، بلوغ الأجل في قوله : فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ [ الطلاق : 2 ] والمعنى مقاربة البلوغ ، ويدل على أن المراد من اليتامى في هذه الآية البالغون قوله تعالى : فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ [ النساء : 6 ] والاشهاد لا يصح قبل البلوغ وانما يصح بعد البلوغ . الطريق الثاني : أن نقول : المراد باليتامى الصغار ، وعلى هذا الطريق ففي الآية وجهان : أحدهما : ان قوله : وَآتُوا أمر ، والأمر انما يتناول المستقبل ، فكان المعنى أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتم عنهم أموالهم ، وعلى هذا الوجه زالت المناقضة . والثاني : المراد : وآتوا اليتامى حال كونهم يتامى ما يحتاجون اليه لنفقتهم وكسوتهم ، والفائدة فيه انه كان يجوز أن يظن أنه لا يجوز إنفاق ماله عليه حال كونه صغيرا ، فأباح اللّه تعالى ذلك ، وفيه إشكال وهو انه لو كان المراد ذلك لقال : وآتوهم من أموالهم ، فلما أوجب إيتاءهم كل أموالهم سقط ذلك . المسألة الرابعة : نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن الحسن أنه قال : لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم وعزلوا أموال اليتامى عن أموالهم ، فشكوا ذلك إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فأنزل اللّه تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ [ البقرة : 220 ] قال أبو بكر الرازي : وأظن أنه غلط من الراوي ، لان المراد بهذه الآية إيتاؤهم أموالهم بعد البلوغ وإنما غلط الراوي بآية أخرى ، وهو ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : لما أنزل اللّه وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ * [ البقرة : 152 ] و إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [ النساء : 10 ] ذهب من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه ، فاشتد ذلك على اليتامى ، فذكروا ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأنزل اللّه تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فخلطوا عند ذلك طعامهم / بطعامهم وشرابهم بشرابهم . قال المفسرون : الصحيح أنها نزلت في رجل من غطفان ، كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم ، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه ، فتراجعا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية ، فلما سمعها العم قال : أطعنا اللّه وأطعنا الرسول ، نعوذ باللّه من الحوب الكبير ، ودفع ماله اليه ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره » أي جنته ، فلما قبض الصبى ماله أنفقه في سبيل اللّه ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ثبت الأجر وبقي الوزر » فقالوا : يا رسول اللّه لقد عرفنا أنه ثبت الأجر ، فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل اللّه ؟ فقال : ثبت أجر الغلام وبقي الوزر على والده . المسألة الخامسة : احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على أن السفيه ، لا يحجر عليه بعد الخمس والعشرين ، قال لأن قوله : وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ مطلق يتناول السفيه أونس منه الرشد أو لم يؤنس ترك العمل به قبل الخمس والعشرين سنة لاتفاق العلماء على أن إيناس الرشد قبل بلوغ هذا السن ، شرط في وجوب دفع المال اليه ، وهذا الإجماع لم يوجد بعد هذا السن ، فوجب إجراء الأمر بعد هذا السن على حكم ظاهر هذه الآية . أجاب أصحابنا عنه : بأن هذه الآية عامة ، لأنه تعالى ذكر اليتامى فيها جملة ، ثم إنهم ميزوا بعد ذلك