فخر الدين الرازي

484

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بقوله : وَابْتَلُوا الْيَتامى [ النساء : 6 ] وبقوله : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ [ النساء : 5 ] حرم بهاتين الآيتين إيتاءهم أموالهم إذا كانوا سفهاء ، ولا شك أن الخاص مقدم على العام . ثم قال تعالى : وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » : ولا تتبدلوا ، أي ولا تستبدلوا ، والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز ، ومنه التعجل بمعنى الاستعجال ، والتأخر بمعنى الاستئخار . وقال الواحدي رحمه اللّه : يقال : تبدل الشيء بالشيء إذا أخذه مكانه . المسألة الثانية : في تفسير هذا التبدل وجوه : الوجه الأول : قال الفراء والزجاج : لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى ، بالحلال وهو مالكم الذي أبيح لكم من المكاسب ورزق اللّه المبثوث في الأرض ، فتأكلوه مكانه . الثاني : لا تستبدلوا الأمر الخبيث ، وهو اختزال أموال اليتامى ، بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع منها وهو قول الأكثرين انه كان ولي اليتيم يأخذ الجيد من ماله ويجعل مكانه الدون ، يجعل الزائف بدل الجيد ، والمهزول بدل السمين ، وطعن صاحب « الكشاف » في هذا الوجه ، فقال : ليس هذا بتبدل إنما هو تبديل إلا أن يكارم صديقا له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي . الرابع : / هو أن هذا التبدل معناه : أن يأكلوا مال اليتيم سلفا مع التزام بدله بعد ذلك ، وفي هذا يكون متبدلا الخبيث بالطيب . ثم قال تعالى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ وفيه وجهان : الأول : معناه ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم في الانفاق حتى تفرقوا بين أموالكم وأموالهم في حل الانتفاع بها . والثاني : أن يكون « إلى » بمعنى « مع » قال تعالى : مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ * [ آل عمران : 52 ] أي مع اللّه ، والأول : أصح . واعلم أنه تعالى وان ذكر الأكل ، فالمراد به التصرف لأن أكل مال اليتيم كما يحرم ، فكذا سائر التصرفات المهلكة لتلك الأموال محرمة ، والدليل عليه أن في المال ما لا يصح ان يؤكل ، فثبت ان المراد منه التصرف ، وإنما ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف . فان قيل : انه تعالى لما حرم عليهم أكل أموال اليتامى ظلما في الآية الأولى المتقدمة دخل فيها أكلها وحدها وأكلها مع غيرها ، فما الفائدة في إعادة النهي عن أكلها مع أموالهم ؟ قلنا : لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم اللّه من حلال وهم مع ذلك يطمعون في أموال اليتامى ، كان القبح أبلغ والذم أحق . واعلم أنه تعالى عرف الخلق بعد ذلك ان أكل مال اليتيم من جميع الجهات المحرمة إثم عظيم فقال : إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً قال الواحدي رحمه اللّه : الكناية تعود إلى الأكل ، وذلك لأن قوله : وَلا تَأْكُلُوا دل على الأكل والحوب الإثم الكبير . قال عليه الصلاة والسلام : « ان طلاق أم أيوب لحوب » وكذلك الحوب والحاب ثلاث لغات في الاسم والمصدر قال الفراء : الحوب لأهل الحجاز ، والحاب لتميم ، ومعناه الإثم قال عليه الصلاة والسلام : « رب تقبل توبتي واغسل حوبتي » قال صاحب « الكشاف » : الحوب والحاب كالقول والقال . قال القفال : وكأن أصل الكلمة من التحوب وهو التوجع ، فالحوب هو ارتكاب ما يتوجع المرتكب منه ، وقال البصريون : الحوب بفتح الحاء مصدر ، والحوب بالضم الاسم ، والحوبة ، المرة الواحدة ، ثم يدخل