فخر الدين الرازي
233
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والاحتمال الثاني : أنه دعاهم إلى القتال مع القوم لقوله تعالى في سورة أخرى فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ [ الصف : 14 ] . المسألة الثانية : قوله إِلَى اللَّهِ فيه وجوه الأول : التقدير : من أنصاري حال ذهابي إلى اللّه أو حال التجائي إلى اللّه والثاني : التقدير : من أنصاري إلى أن أبين أمر اللّه تعالى ، وإلى أن أظهر دينه ويكون إلى هاهنا غاية كأنه أراد من يثبت على نصرتي إلى أن تتم دعوتي ، ويظهر أمر اللّه تعالى الثالث : قال الأكثرون من أهل اللغة إلى هاهنا بمعنى مع قال تعالى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ [ النساء : 2 ] أي معها ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « الذود إلى الذود إبل » أي مع الذود . قال الزجاج : كلمة إِلَى ليست بمعنى مع فإنك لو قلت ذهب زيد إلى عمرو لم يجز أن تقول : ذهب زيد مع عمرو لأن ( إلى ) تفيد الغاية و ( مع ) تفيد ضم الشيء إلى الشيء ، بل المراد من قولنا أن ( إلى ) هاهنا بمعنى ( مع ) هو أنه يفيد فائدتها من حيث أن المراد من يضيف نصرته إلى نصرة اللّه إياي وكذلك المراد من قوله وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ [ النساء : 2 ] أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم ، وكذلك قوله عليه السلام : « الذود إلى الذود إبل » معناه : الذود مضموماً إلى الذود إبل والرابع : أن يكون المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى اللّه ووسيلة إليه ، وفي الحديث أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول إذا ضحى « اللّهم منك وإليك » أي تقرباً إليك ، ويقول الرجل لغيره عند دعائه إياته ( إلى ) أي انضم إلى ، فكذا هاهنا المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى اللّه تعالى الخامس : أن يكون ( إلى ) بمعنى اللام كأنه قال : من أنصاري للّه نظيره قوله تعالى : قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ [ يونس : 35 ] والسادس : تقدير الآية : من أنصاري في سبيل اللّه . و ( إلى ) بمعنى ( في ) جائز ، وهذا قول الحسن . أما قوله تعالى : قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في لفظ ( الحواري ) وجوهاً الأول : أن الحواري اسم موضوع / لخاصة الرجل ، وخالصته ، ومنه يقال للدقيق حواري ، لأنه هو الخالص منه ، وقال صلى اللّه عليه وسلم للزبير : « إنه ابن عمتي ، وحواري من أمتي » والحواريات من النساء النفيات الألوان والجلود ، فعلى هذا الحواريون هم صفوة الأنبياء الذي خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم وفي نصرتهم . القول الثاني : الحواري أصله من الحور ، وهو شدة البياض ، ومنه قيل للدقيق حواري ، ومنه الأحور ، والحور نقاء بياض العين ، وحورت الثياب : بيضتها ، وعلى هذا القول اختلفوا في أن أولئك لم سموا بهذا الاسم ؟ فقال سعيد بن جبير : لبياض ثيابهم ، وقيل كانوا قصارين ، يبيضون الثياب ، وقيل لأن قلوبهم كانت نقية طاهرة من كل نفاق وريبة فسموا بذلك مدحاً لهم ، وإشارة إلى نقاء قلوبهم ، كالثوب الأبيض ، وهذا كما يقال فلان نقي الجيب ، طاهر الذيل ، إذا كان بعيداً عن الأفعال الذميمة ، وفلان دنس الثياب : إذا كان مقدماً على ما لا ينبغي . القول الثالث : قال الضحاك : مر عيسى عليه السلام بقوم من الذين كانوا يغسلون الثياب ، فدعاهم إلى الإيمان فآمنوا ، والذي يغسل الثياب يسمى بلغة النبط هواري ، وهو القصار فعربت هذه اللفظة فصارت حواري ، وقال