فخر الدين الرازي

234

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

مقاتل بن سليمان : الحواريون : هم القصارون ، وإذا عرفت أصل هذا اللفظ فقد صار بعرف الاستعمال دليلًا على خواص الرجل وبطانته . المسألة الثانية : اختلفوا في أن هؤلاء الحواريين من كانوا ؟ . فالقول الأول : إنه عليه السلام مرّ بهم وهم يصطادون السمك فقال لهم « تعالوا نصطاد الناس » قالوا : من أنت ؟ قال : « أنا عيسى ابن مريم ، عبد اللّه ورسوله » فطلبوا منه المعجز على ما قال فلما أظهر المعجز آمنوا به ، فهم الحواريون . القول الثاني : قالوا : سلمته أمه إلى صباغ ، فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه وأراد الصباغ أن يغيب لبعض مهماته ، فقال له : هاهنا ثياب مختلفة ، وقد علمت على كل واحد علامة معينة ، فأصبغها بتلك الألوان ، بحيث يتم المقصود عند رجوعي ، ثم غاب فطبخ عيسى عليه السلام جباً واحداً ، وجعل الجميع فيه وقال : « كوني بإذن اللّه كما أريد » فرجع الصباغ فأخبره بما فعل فقال : قد أفسدت علي الثياب ، قال : « قم فانظر » فكان يخرج ثوباً أحمر ، وثوباً أخضر ، وثوباً أصفر كما كان يريد ، إلى أن أخرج الجميع على الألوان التي أرادها ، فتعجب الحاضرون منه ، وآمنوا به فهم الحواريون . القول الثالث : كانوا الحواريون اثنى عشر رجلًا اتبعوا عيسى عليه السلام ، وكانوا إذا قالوا : يا روح اللّه جعنا ، فيضرب بيده إلى الأرض ، فيخرج لكل واحد رغيفان ، وإذا عطشوا قالوا يا روح اللّه : عطشنا ، فيضرب بيده إلى الأرض ، فيخرج الماء فيشربون ، فقالوا : من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا ، وإذا شئنا سقيتنا ، وقد آمنا بك فقال : « أفضل منكم من يعمل بيده ، ويأكل من / كسبه » فصاروا يغسلون الثياب بالكراء ، فسموا حواريين . القول الرابع : أنهم كانوا ملوكاً قالوا وذلك أن واحداً من الملوك صنع طعاماً ، وجمع الناس عليه ، وكان عيسى عليه السلام على قصعة منها ، فكانت القصعة لا تنقص ، فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك ، فقال : تعرفونه ، قالوا : نعم ، فذهبوا بعيسى عليه السلام ، قال : من أنت ؟ قال : أنا عيسى ابن مريم ، قال فإني أترك ملكي وأتبعك فتبعه ذلك الملك مع أقاربه ، فأولئك هم الحواريون قال القفال : ويجوز أن يكون بعض هؤلاء الحواريين الاثني عشر من الملوك ، وبعضهم من صيادي السمك ، وبعضهم من القصارين ، والكل سموا بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه السلام ، وأعوانه ، والمخلصين في محبته ، وطاعته ، وخدمته . المسألة الثالثة : المراد من قوله نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أي نحن أنصار دين اللّه وأنصار أنبيائه ، لأن نصرة اللّه تعالى في الحقيقة محال ، فالمراد منه ما ذكرناه . أما قوله آمَنَّا بِاللَّهِ فهذا يجري مجرى ذكر العلة ، والمعنى يجب علينا أن نكون من أنصار اللّه ، لأجل أنا آمنا باللّه ، فإن الإيمان باللّه يوجب نصرة دين اللّه ، والذب عن أوليائه ، والمحاربة مع أعدائه . ثم قالوا : وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ وذلك لأن إشهادهم عيسى عليه السلام على أنفسهم ، إشهاد للّه تعالى أيضاً ، ثم فيه قولان الأول : المراد واشهد أنا منقادون لما تريده منا في نصرتك ، والذب عنك ، مستسلمون لأمر اللّه تعالى فيه الثاني : أن ذلك إقرار منهم بأن دينهم الإسلام ، وأنه دين كل الأنبياء صلوات اللّه عليهم . واعلم أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إيمانهم ، وعلى إسلامهم تضرعوا إلى اللّه تعالى ، وقالوا :