فخر الدين الرازي

195

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

السؤال الأول : هذه الآية جملة شرطية فقوله إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ شرط وقوله يَعْلَمْهُ اللَّهُ جزاء ولا شك أن الجزاء مترتب على الشرط متأخر عنه ، فهذا يقتضي حدوث علم اللّه تعالى . والجواب : أن تعلق علم اللّه تعالى بأنه حصل الآن لا يحصل إلا عند حصوله الآن ، ثم أن هذه التبدل والتجدد إنما وقع في النسب والإضافات والتعليقات لا في حقيقة العلم ، وهذه المسألة لها غور عظيم وهي مذكورة في علم الكلام . السؤال الثاني : محل البواعث والضمائر هو القلب ، فلم قال : إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ ولم يقل إن تخفوا ما في قلوبكم ؟ . الجواب : لأن القلب في الصدر ، فجاز إقامة الصدر مقام القلب كما قال : يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ / النَّاسِ [ الناس : 5 ] وقال : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 46 ] . السؤال الثالث : إن كانت هذه الآية وعيداً على كل ما يخطر بالبال فهو تكليف ما لا يطاق . الجواب : ذكرنا تفصيل هذه الكلام في آخر سورة البقرة في قوله لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [ البقرة : 284 ] . ثم قال تعالى : وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ . واعلم أنه رفع على الاستئناف ، وهو كقوله قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ [ التوبة : 14 ] جزم الأفاعيل ، ثم قال : وَيَتُوبُ اللَّهُ فرفع ، ومثله قوله فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ [ الشورى : 24 ] رفعاً ، وفي قوله وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ غاية التحذير لأنه إذا كان لا يخفي عليه شيء فيهما فكيف يخفي عليه الضمير . ثم قال تعالى : وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إتماماً للتحذير ، وذلك لأنه لما بيّن أنه تعالى عالم بكل المعلومات كان عالماً بما في قلبه ، وكان عالماً بمقادير استحقاقه من الثواب والعقاب ، ثم بين أنه قادر على جميع المقدورات ، فكان لا محالة قادراً على إيصال حق كل أحد إليه ، فيكون في هذا تمام الوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 30 ] يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ( 30 ) [ في قوله تعالى يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ] اعلم أن هذه الآية من باب الترغيب والترهيب ، ومن تمام الكلام الذي تقدم . وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في العامل في قوله يَوْمَ وجوهاً الأول : قال ابن الأنباري : اليوم متعلق بالمصير والتقدير : وإلى اللّه المصير يوم تجد الثاني : العامل فيه قوله وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ في الآية السابقة ، كأنه قال : ويحذركم اللّه نفسه في ذلك اليوم الثالث : العامل فيه قوله / وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي قدير في ذلك اليوم الذي تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً ، وخص هذا اليوم بالذكر ، وإن كان غيره من الأيام بمنزلته في قدرة اللّه