فخر الدين الرازي
196
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
تعالى تفضيلًا له لعظم شأنه كقوله مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 4 ] الرابع : أن العامل فيه قوله تَوَدُّ والمعنى : تود كل نفس كذا وكذا في ذلك اليوم الخامس : يجوز أن يكون منتصباً بمضمر ، والتقدير : واذكر يوم تجد كل نفس . المسألة الثانية : اعلم أن العمل لا يبقى ، ولا يمكن وجدانه يوم القيامة ، فلا بد فيه من التأويل وهو من وجهين الأول : أنه يجد صحائف الأعمال ، وهو قوله تعالى : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الجاثية : 29 ] وقال : فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [ المجادلة : 6 ] والثاني : أنه يجد جزاء الأعمال وقوله تعالى : مُحْضَراً يحتمل أن يكون المراد أن تلك الصحائف تكون محضرة يوم القيامة ، ويحتمل أن يكون المعنى : أن جزاء العمل يكون محضراً ، كقوله وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً [ الكهف : 49 ] وعلى كلا الوجهين ، فالترغيب والترهيب حاصلان . أما قوله : وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الواحدي : الأظهر أن يجعل ما هاهنا بمنزلة الذي ، ويكون عَمِلَتْ صلة لها ، ويكون معطوفاً على ما الأول ، ولا يجوز أن تكون ما شرطية ، وإلا كان يلزم أن ينصب تَوَدُّ أو يخفضه ، ولم يقرأه أحد إلا بالرفع ، فكان هذا دليلًا على أن ما هاهنا بمعنى الذي . فإن قيل : فهل يصح أن تكون شرطية على قراءة عبد اللّه ، ودت . قلنا : لا كلام في صحته لكن الحمل على الابتداء والخبر أوقع ، لأنه حكاية حال الكافر في ذلك اليوم ، وأكثر موافقة للقراءة المشهورة . المسألة الثانية : الواو في قوله وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ فيه قولان الأول : وهو قول أبي مسلم الأصفهاني : الواو واو العطف ، والتقدير : تجد ما عملت من خير وما عملت من سوء ، وأما قوله تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ففيه وجهان الأول : أنه صفة للسوء ، والتقدير : وما عملت من سوء الذي تود أن يبعد ما بينها وبينه والثاني : أن يكون حالًا ، والتقدير : يوم تجد ما عملت من سوء محضراً حال ما تود بعده عنها . والقول الثاني : أن الواو للاستئناف ، وعلى هذا القول لا تكون الآية دليلًا على القطع بوعيد المذنبين ، وموضع الكرم واللطف هذا ، وذلك لأنه نص في جانب الثواب على كونه محضراً وأما في جانب العقاب فلم ينص على الحضور ، بل ذكر أنهم يودون الفرار منه ، والبعد عنه ، وذلك ينبه على أن جانب الوعد أولى بالوقوع من جانب الوعيد . المسألة الثالثة : الأمد ، الغاية التي ينتهي إليها ، ونظيره قوله تعالى : يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [ الزخرف : 38 ] . واعلم أن المراد من هذا التمني معلوم ، سواء حملنا لفظ الأمد على الزمان أو على المكان ، إذ المقصود تمني بعده ، ثم قال : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وهو لتأكيد الوعيد . ثم قال : وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ وفيه وجوه الأول : أنه رؤوف بهم حيث حذرهم من نفسه ، وعرفهم كمال علمه وقدرته ، وأنه يمهل ولا يهمل ، ورغبهم في استيجاب رحمته ، وحذرهم من استحقاق غضبه ، قال الحسن : ومن رأفته بهم أن حذرهم نفسه الثاني : أنه رؤوف بالعباد حيث أمهلهم للتوبة والتدارك والتلافي الثالث : أنه لما قال : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وهو للوعيد أتبعه بقوله وَاللَّهُ