فخر الدين الرازي

16

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الثانية : تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ أي تميز الحق من الباطل ، والإيمان من الكفر والهدى من الضلالة بكثرة الحجج والآيات الدالة ، قال القاضي : ومعنى قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ أي أنه قد اتضح وانجلى بالأدلة لا أن كل مكلف تنبه لأن المعلوم ذلك وأقول : قد ذكرنا أن معنى تَبَيَّنَ انفصل وامتاز ، فكان المراد أنه حصلت البينونة بين الرشد والغي بسبب قوة الدلائل وتأكيد البراهين ، وعلى هذا كان اللفظ مجرى على ظاهره . أما قوله تعالى : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ فقد قال النحويون : الطاغوت وزنه فعلوت ، نحو جبروت ، والتاء زائدة وهي مشتقة من طغا ، وتقديره طغووت ، إلا أن لام الفعل قلبت إلى موضع العين كعادتهم في القلب ، نحو : الصاقعة والصاعقة ، ثم قلبت الواو ألفا لوقوعها في موضع حركة وانفتاح ما قبلها ، قال المبرد في الطاغوت : الأصوب عندي أنه جمع قال أبو علي الفارسي : وليس الأمر عندنا كذلك ، وذلك لأن الطاغوت مصدر كالرغبوت والرهبوت والملكوت ، فكما / أن هذه الأسماء آحاد كذلك هذا الاسم مفرد وليس بجمع ، ومما يدل على أنه مصدر مفرد قوله أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ فأفرد في موضع الجمع ، كما يقال : هم رضاهم عدل ، قالوا : وهذا اللفظ يقع على الواحد وعلى الجمع ، أما في الواحد فكما في قوله تعالى : يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [ النساء : 60 ] وأما في الجمع فكما في قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ [ البقرة : 257 ] وقالوا : الأصل فيه التذكير ، فأما قوله : وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها [ الزمر : 17 ] فإنما أنثت إرادة الآلهة . إذا عرفت هذا فنقول : ذكر المفسرون فيه خمسة أقوال الأول : قال عمر ومجاهد وقتادة هو الشيطان الثاني : قال سعيد بن جبير : الكاهن الثالث : قال أبو العالية : هو الساحر الرابع : قال بعضهم الأصنام الخامس : أنه مردة الجن والإنس وكل ما يطغى ، والتحقيق أنه لما حصل الطغيان عند الاتصال بهذه الأشياء جعلت هذه الأشياء أسبابا للطغيان كما في قوله رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ [ إبراهيم : 36 ] . أما قوله وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ففيه إشارة إلى أنه لا بد للكافر من أن يتوب أولا عن الكفر ، ثم يؤمن بعد ذلك . أما قوله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى فاعلم أنه يقال : استمسك بالشيء إذا تمسك به والعروة جمعها عرا نحو عروة الدلو والكوز وإنما سميت بذلك ، لأن العروة عبارة عن الشيء الذي يتعلق به والوثقى تأنيث الأوثق ، وهذا من باب استعارة المحسوس للمعقول ، لأن من أراد إمساك شيء يتعلق بعروته ، فكذا هاهنا من أراد إمساك هذا الدين تعلق بالدلائل الدالة عليه ، ولما كانت دلائل الإسلام أقوى الدلائل وأوضحها ، لا جرم وصفها بأنها العروة الوثقى . أما قوله لَا انْفِصامَ لَها ففيه مسائل : المسألة الأولى : الفصم كسر الشيء من غير إبانة ، والانفصام مطاوع الفصم فصمته فانفصم والمقصود من هذا اللفظ المبالغة ، لأنه إذا لم يكن لها انفصام ، فان لا يكون لها انقطاع أولى . المسألة الثانية : قال النحويون : نظم الآية بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، والعرب تضمر ( التي ) و ( الذي ) و ( من ) وتكتفي بصلاتها منها ، قال سلامة بن جندل : والعاديات أسامي للدماء بها * كأن أعناقها أنصاب ترحيب