فخر الدين الرازي

17

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يريد العاديات التي قال اللّه : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 164 ] أي من له . ثم قال : وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وفيه قولان : القول الأول : أنه تعالى يسمع قول من يتكلم بالشهادتين ، وقول من يتكلم بالكفر ، ويعلم ما في قلب المؤمن من الاعتقاد الطاهر ، وما في قلب الكافر من الاعتقاد الخبيث . والقول الثاني : روى عطاء عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة ، وكان يسأل اللّه تعالى ذلك سراً وعلانية ، فمعنى قوله وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يريد لدعائك يا محمد بحرصك عليه واجتهادك . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 257 ] اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 257 ) [ في قوله تعالى اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ] فيه مسألتان : المسألة الأولى : الولي فعيل بمعنى فاعل من قولهم : ولي فلان الشيء يليه ولاية فهو وال وولي ، وأصله من الولي الذي هو القرب ، قال الهذلي : وعدت عواد دون وليك تشغب ومنه يقال : داري تلى دارها ، أي تقرب منها ، ومنه يقال : للمحب المعاون : ولي لأنه يقرب منك بالمحبة والنصرة ولا يفارقك ، ومنه الوالي ، لأنه يلي القوم بالتدبير والأمر والنهي ومنّه المولى ومن ثم قالوا في خلاف الولاية : العداوة من عدا الشيء إذا جاوزه ، فلأجل هذا كانت الولاية خلاف العداوة . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ألطاف اللّه تعالى في حق المؤمن فيما يتعلق بالدين أكثر من ألطافه في حق الكافر ، بأن قالوا : الآية دلت على أنه تعالى ولي الذين آمنوا على التعيين ومعلوم أن الولي للشيء هو المتولي لما يكون سببا لصلاح الإنسان واستقامة أمره في الغرض المطلوب ولأجله قال تعالى : يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [ الأنفال : 34 ] فجعل القيم بعمارة المسجد وليا له ونفى في الكفار أن يكونوا أولياءه ، فلما كان معنى الولي المتكفل بالمصالح ، ثم إنه تعالى جعل نفسه وليا للمؤمنين على التخصيص ، علمنا أنه تعالى تكفل بمصالحهم فوق ما تكفل بمصالح الكفار ، وعند المعتزلة أنه تعالى سوى بين الكفار والمؤمنين في الهداية والتوفيق والألطاف ، فكانت هذه الآية مبطلة لقولهم ، قالت المعتزلة : هذا التخصيص محمول على / أحد وجوه الأول : أن هذا محمول على زيادة الألطاف ، كما ذكره في قوله وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [ محمد : 17 ] وتقريره من حيث العقل أن الخير والطاعة يدعو بعضه إلى بعض ، وذلك لأن المؤمن إذا حضر مجلسا يجري فيه الوعظ ، فإنه يلحق قلبه خشوع وخضوع وانكسار ، ويكون حاله مفارقا لحال من قسا قلبه بالكفر والمعاصي ، وذلك يدل على أنه يصح في المؤمن من الألطاف ما لا يصح في غيره ، فكان تخصيص المؤمنين بأنه تعالى وليهم محمولا على ذلك .