فخر الدين الرازي

439

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

مخلوق في الرحم وثالثها : أن حمل قوله تعالى : ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ على الولد الذي هو جوهر شريف ، أولى من حمله على الحيض الذي هو شيء في غاية الخساسة والقذر ، واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة ، لأنه لما كان المقصود منعها عن إخفاء هذه الأحوال التي لا اطلاع لغيرها عليها ، وبسببها تختلف أحوال الحرمة والحل في النكاح ، فوجب حمل اللفظ على الكل . القول الثالث : المراد هو النهي عن كتمان الحيض ، لأن هذه الآية وردت عقيب ذكر الأقراء ، ولم يتقدم ذكر الحمل ، وهذا أيضا ضعيف ، لأن قوله : وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ كلام مستأنف مستقل بنفسه من غير أن يضاف إلى ما تقدم ، فيجب حمله على كل ما يخلق في الرحم . أما قوله تعالى : إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فليس المراد أن ذلك النهي مشروط بكونها مؤمنة ، بل هذا كما تقول للرجل الذي يظلم : إن كنت مؤمنا فلا تظلم ، تريد إن كنت مؤمنا فينبغي أن يمنعك إيمانك عن ظلمي ، ولا شك أن هذا تهديد شديد على النساء ، وهو كما قال في الشهادة وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [ البقرة : 283 ] وقال : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ [ البقرة : 283 ] والآية دالة على أن كل من جعل أمينا في شيء فخان فيه فأمره عند اللّه شديد . قوله تعالى : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . اعلم أن هذا هو الحكم الثاني للطلاق وهو الرجعية ، وفي البعولة قولان أحدهما : أنه جمع بعل ، كالفحولة والذكورة والجدودة والعمومة ، وهذه الهاء زائدة مؤكدة لتأنيث الجماعة ولا يجوز إدخالها في كل جمع بل فيما رواه أهل اللغة عن العرب ، فلا يقال في كعب : كعوبة ، ولا في كلب : كلابة ، واعلم أن اسم البعل مما يشترك فيه الزوجان فيقال للمرأة بعلة ، كما يقال لها زوجة في كثير من اللغات ، وزوج في أفصح اللغات فهما بعلان ، كما أنهما زوجان ، وأصل البعل السيد المالك فيما قيل ، يقال : من بعل هذه الناقة ؟ كما يقال : من ربها ، وبعل اسم صنم كانوا يتخذونه ربا ، وقد كان النساء يدعون أزواجهن بالسؤدد . القول الثاني : أن البعولة مصدر ، يقال : بعل الرجل يبعل بعولة ، إذا صار بعلا ، وباعل الرجل امرأته إذا جامعها ، وفي الحديث أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال في أيام التشريق : « إنها أيام أكل وشرب وبعال » وامرأته حسنة البعل إذا كانت تحسن عشرة زوجها ، ومنه الحديث « إذا أحسنتن ببعل أزواجكن » وعلى هذا الوجه كان معنى الآية : وأهل بعولتهن . وأما قوله : أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ فالمعنى : أحق برجعتهن في مدة ذلك التربص وهاهنا سؤالات : السؤال الأول : ما فائدة قوله : أَحَقُّ مع أنه لا حق لغير الزوج في ذلك . الجواب من وجهين الأول : أنه تعالى قال قبل هذه الآية : وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ كان تقدير الكلام : فإنهن إن كتمن لأجل أن يتزوج بهن زوج آخر ، فإذا فعلن ذلك كان الزوج الأول أحق بردهن ، وذلك لأنه ثبت للزوج الثاني حق في الظاهر ، فبين أن الزوج الأول أحق منه ، وكذا إذا ادعت انقضاء أقرائها ثم علم خلافه فالزوج الأول أحق من الزوج الآخر في العدة الثاني : إذا كانت معتدة فلها في مضي العدة حق انقطاع النكاح فلما كان لهن هذا الحق الذي يتضمن إبطال حق الزوج جاز أن يقول : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ من حيث إن لهم أن يبطلوا بسبب الرجعة ما هن عليه من العدة .