فخر الدين الرازي

438

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الحجة الخامسة : أجمعنا على أن الاستبراء في شراء الجواري يكون بالحيضة ، فكذا العدة تكون بالحيضة ، لأن المقصود من الاستبراء والعدة شيء واحد . الحجة السادسة : لهم : أن الغرض الأصلي في العدة استبراء الرحم ، والحيض هو الذي تستبرأ به الأرحام دون الطهر ، فوجب أن يكون المعتبر هو الحيض دون الطهر . الحجة السابعة : لهم : أن القول بأل القروء هي الحيض احتياط وتغليب لجانب الحرمة ، لأن المطلقة إذا مر عليها بقية الطهر وطعنت في الحيضة الثالثة فإن جعلنا القرء هو الحيض ، فحينئذ يحرم للغير التزوج بها ، وإن جعلنا القرء طهرا ، فحينئذ يحل للغير التزوج بها ، وجانب التحريم أولى بالرعاية ، لقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « ما اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام الحلال » ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة ، ولأن هذا أقرب إلى الاحتياط ، فكان أولى لقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » فهذا جملة الوجوه في هذا الباب . واعلم أن عند تعارض هذه الوجوه تضعف الترجيحات ، ويكون حكم اللّه في حق الكل ما أدى اجتهاده إليه . أما قوله تعالى : وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ فاعلم أن انقضاء العدة لما كان مبنيا على انقضاء القرء في حق ذوات الأقراء ، وضع الحمل في حق الحامل ، وكان الوصول إلى علم ذلك للرجال متعذرا جعلت المرأة أمينة في العدة ، وجعل القول قولها إذا ادعت انقضاء قرئها في مدة يمكن ذلك فيها ، وهو على مذهب الشافعي رضي اللّه عنه اثنان وثلاثون يوما وساعة ، لأن أمرها يحمل على أنها طلقت طاهرة فحاضت بعد ساعة ، ثم حاضت يوما وليلة وهو أقل الحيض ، ثم طهرت خمسة عشر يوما وهو أقل الطهر ، مرة أخرى يوما وليلة ، ثم طهرت خمسة عشر يوما ، ثم رأت الدم فقد انقضت عدتها بحصول ثلاثة أطهار ، فمتى ادعت هذا أو أكثر من هذا قبل قولها ، وكذلك إذا كانت حاملا فادعت أنها أسقطت كان القول قولها ، لأنها على أصل أمانتها . واعلم أن للمفسرين في قوله : ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ ثلاثة أقوال الأول : أنه الحبل والحيض معا ، وذلك لأن المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما ، أما كتمان الحبل فإن غرضها فيه أن انقضاء عدتها بالقروء أقل زمانا من انقضاء عدتها بوضع الحمل ، فإذا كتمت الحبل قصرت مدة عدتها فتزوج بسرعة ، وربما كرهت مراجعة الزوج الأول ، وربما أحبت التزوج بزوج آخر / أو أحبت أن يلتحق ولدها بالزوج الثاني ، فلهذه الأغراض تكتم الحبل ، وأما كتمان الحيض فغرضها فيه أن المرأة إذا طلقها الزوج وهي من ذوات الأقراء فقد تحب تطويل عدتها لكي يراجعها الزوج الأول ، وقد تحب تقصير عدتها لتبطيل رجعته ولا يتم لها ذلك إلا بكتمان بعض الحيض في بعض الأوقات لأنها إذا حاضت أولا فكتمته ، ثم أظهرت عند الحيضة الثانية أن ذلك أول حيضها فقد طولت العدة ، وإذا كتمت أن الحيضة الثالثة وجدت فكمثل ، وإذا كتمت أن حيضها باق فقد قطعت الرجعة على زوجها ، فثبت أنه كما أن لها غرضا في كتمان الحبل ، فكذلك في كتمان الحيض ، فوجب حمل النهي على مجموع الأمرين . القول الثاني : أن المراد هو النهي عن كتمان الحمل فقط ، واحتجوا عليه بوجوه أحدها : قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ [ آل عمران : 6 ] وثانيها : أن الحيض خارج عن الرحم لا أنه