فخر الدين الرازي
384
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 216 ] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 216 ) الحكم الثاني فيما يتعلق بالقتال وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه عليه الصلاة والسلام كان غير مأذون في القتال مدة إقامته بمكة فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين ، ثم أذن له في قتال المشركين عامة ، ثم فرض اللّه الجهاد واختلف العلماء في هذه الآية فقال قوم : إنها تقتضي وجوب القتال على الكل وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت باللّه أن الغزو واجب ونقل عن ابن عمر وعطاء : أن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت فقط حجة الأولين أن قوله : كُتِبَ يقتضي الوجوب وقوله : عَلَيْكُمُ يقتضيه أيضا ، والخطاب بالكاف في قوله : عَلَيْكُمُ لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد بعد ذلك كما في قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ [ البقرة : 178 ] ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [ البقرة : 183 ] . فإن قيل : ظاهر الآية هل يقتضي أن يكون واجبا على الأعيان أو على الكفاية . قلنا : بل يقتضي أن يكون واجبا على الأعيان لأن قوله : عَلَيْكُمُ أي على كل واحد من آحادكم كما في قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ حجة عطاء أن قوله : كُتِبَ يقتضي الإيجاب ، ويكفي في العمل به مرة واحدة وقوله : عَلَيْكُمُ يقتضي تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت إلا أنا قلنا : إن قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ حال الموجودين فيه كحال من سيوجد بعد ذلك ، بدلالة منفصلة وهي الإجماع ، وتلك الدلالة مفقودة هاهنا فوجب أن يبقى على الوضع الأصلي ، قالوا : ومما يدل على صحة هذا القول قوله تعالى : وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى * [ النساء : 95 ] ولو كان القاعد مضيعا فرضا لما كان موعودا بالحسنى ، اللهم إلا أن يقال : الفرض كان ثابتا ثم نسخ ، إلا أن التزام القوم بالنسخ من غير أن يدل عليه دليل غير جائز ، ويدل عليه أيضا قوله تعالى : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [ التوبة : 122 ] والقول بالنسخ غير جائز على ما بيناه ، والإجماع اليوم منعقد على أنه من فروض الكفايات ، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل واللّه أعلم . المسألة الثانية : قوله : وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ فيه إشكال وهو أن الظاهر من قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ أن هذا الخطاب مع المؤمنين ، والعقل يدل عليه أيضا لأن الكافر لا يؤمر بقتال الكافر ، وإذا كان كذلك فكيف قال : وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ فإن هذا يشعر بكون المؤمن كارها لحكم اللّه وتكليفه وذلك غير جائز ، لأن المؤمن لا يكون ساخطا لأوامر اللّه تعالى وتكاليفه ، بل يرضى بذلك ويحبه ويتمسك به ويعلم أنه صلاحه وفي تركه فساده . والجواب من وجهين : الأول : أن المراد من الكره ، كونه شاقا على النفس ، والمكلف وإن علم أن ما أمره اللّه به فهو صلاحه ، لكن لا يخرج بذلك عن كونه ثقيلا شاقا على النفس ، لأن التكليف عبارة عن إلزام ما في فعله كلفة ومشقة ، ومن المعلوم أن أعظم ما يميل إليه الطبع الحياة ، / فلذلك أشق الأشياء على النفس