فخر الدين الرازي

385

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

القتال الثاني : أن يكون المراد كراهتهم للقتال قبل أن يفرض لما فيه من الخوف ، ولكثرة الأعداء فبين اللّه تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه لئلا تكرهونه بعد أن فرض عليكم . المسألة الثالثة : الكره بضم الكاف هو الكراهة بدليل قوله : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ثم فيه وجهان أحدهما : أن يكون المعنى وضع المصدر موضع الوصف مبالغة كقول الخنساء : فإنما هي إقبال وإدبار كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له والثاني : أن يكون فعلا بمعنى مفعول ، كالخبر بمعنى المخبور أي وهو مكروه لكم وقرأ السلمي بالفتح وهما لغتان كالضعف والضعف ، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز ، كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له ، ومشقته عليهم ، ومنه قوله تعالى : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً [ الأحقاف : 15 ] واللّه أعلم وقال بعضهم : الكره ، بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه ، وإذا كان بالإكراه فبالفتح . أما قوله : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ففيه مسائل : المسألة الأولى : عَسى فعل درج مضارعه وبقي ماضيه فيقال منه ، عسيتما وعسيتم قال تعالى : فَهَلْ عَسَيْتُمْ [ محمد : 22 ] ويرتفع الاسم بعده كما يرتفع بعد الفعل فتقول : عسى زيد . كما تقول : قام زيد ومعناه : قرب قال تعالى : قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ [ النمل : 72 ] أي قرب ، فقولك عسى زيد أن يقوم تقديره عسى قيام زيد أي قرب قيام زيد . المسألة الثانية : معنى الآية أنه ربما كان الشيء شاقا عليكم في الحال ، وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل وبالضد ، ولأجله حسن شرب الدواء المر في الحال لتوقع حصول الصحة في المستقبل ، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتوقع حصول الربح في المستقبل ، وحسن تحمل المشاق في طلب العلم للفوز بالسعادة العظيمة في الدنيا وفي العقبى ، وهاهنا كذلك وذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل ، وصون المال عن الإنفاق ، ولكن فيه أنواع من المضار منها : أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصة بلادكم وحاول قتلكم فأما أن يأخذكم ويستبيح دماءكم وأموالكم ، وإما أن تحتاجوا إلى قتالهم من غير إعداد آلة وسلاح ، وهذا يكون كترك مداواة المرض في أول ظهوره بسبب نفرة النفس عن تحمل مرارة الدواء ، ثم في آخر الأمر يصير المرء مضطرا إلى تحمل أضعاف تلك النفرة والمشقة ، والحاصل أن القتال سبب لحصول الأمن ، وذلك خير من الانتفاع بسلامة الوقت ، ومنها وجدان الغنيمة ، ومنها / السرور العظيم بالاستيلاء على الأعداء . أما ما يتعلق بالدين فكثيرة ، منها ما يحصل للمجاهد من الثواب العظيم إذا فعل الجهاد تقربا وعبادة وسلك طريقة الاستقامة فلم يفسد ما فعله ، ومنها أنه يخشى عدوكم أن يستغنمكم فلا تصبرون على المحنة فترتدون عن الدين ، ومنها أن عدوكم إذا رأى جدكم في دينكم وبذلكم أنفسكم وأموالكم في طلبه مال بسبب ذلك إلى دينكم فإذا أسلم على يدكم صرتم بسبب ذلك مستحقين للأجر العظيم عند اللّه ، ومنها أن من أقدم على القتال طلبا لمرضاة اللّه تعالى كان قد تحمل ألم القتل بسبب طلب رضوان اللّه ، وما لم يصر الرجل متيقنا بفضل