فخر الدين الرازي
465
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أَوْلادَكُمْ أي لأولادكم وحذف اللام اجتزاء بدلالة الاسترضاع ، لأنه لا يكون إلا للأولاد ، ولا يجوز دعوت زيدا وأنت تريد لزيد ، لأنه تلبيس هاهنا بخلاف ما قلنا في الاسترضاع ، ونظير حذف اللام قوله تعالى : وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ [ المطففين : 3 ] أي كالوا لهم أو وزنوا لهم . المسألة الثانية : اعلم أنا قد بينا أن الأم أحق بالإرضاع ، فأما إذا حصل مانع عن ذلك فقد يجوز العدول عنها إلى غيرها ، منها ما إذا تزوجت آخر ، فقيامها بحق ذلك الزوج يمنعها عن الرضاع ، ومنها أنه إذا طلقها الزوج الأول فقد تكره الرضاع حتى يتزوج بها زوج آخر ، ومنها أن تأتي المرأة قبول الولد إيذاء للزوج المطلق وإيحاشا له ، ومنها أن تمرض أو ينقطع لبنها ، فعند أحد هذه الوجوه إذا وجدنا مرضعة أخرى وقبل الطفل لبنها جاز العدول عن الأم إلى غيرها ، فأما إذا لم نجد مرضعة أخرى ، أو وجدناها ولكن الطفل لا يقبل لبنها فههنا الإرضاع واجب على الأم . أما قوله تعالى : إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحده ما آتَيْتُمْ مقصورة الألف ، والباقون ما آتَيْتُمْ ممدودة الألف ، أما المد فتقديره : ما آتيتموه المرأة أي أردتم إيتاءه وأما القصر فتقديره : ما آتيتم / به ، فحذف المفعولان في الأول وحذف لفظة به في الثاني لحصول العلم بذلك ، وروى شيبان عن عاصم ما أوتيتم أي ما آتاكم اللّه وأقدركم عليه من الأجرة ، ونظيره قوله تعالى : وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [ الحديد : 7 ] . المسألة الثانية : ليس التسليم شرطا للجواز والصحة ، وإنما هو ندب إلى الأولى والمقصود منه أن تسليم الأجرة إلى المرضعة يدا بيد حتى تكون طيبة النفس راضية فيصير ذلك سببا لصلاح حال الصبي ، والاحتياط في مصالحه ، ثم إنه تعالى ختم الآية بالتحذير ، فقال : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 234 ] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 234 ) الحكم الثالث عشر عدة الوفاة وفيه مسائل : المسألة الأولى : يتوفون معناه يموتون ويقبضون قال اللّه تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [ الزمر : 42 ] وأصل التوفي أخذ الشيء وافيا كاملا ، فمن مات فقد وجد عمره وافيا كاملا ، ويقال : توفي فلان ، وتوفي إذا مات ، فمن قال : توفي كان معناه قبض وأخذ ومن قال : توفى . كان معناه توفى أجله واستوفى أكله وعمره وعليه قراءة علي عليه السلام يتوفون بفتح الياء . وأما قوله : وَيَذَرُونَ معناه : يتركون ، ولا يستعمل منه الماضي ولا المصدر استغناء عنه يترك تركا ،