فخر الدين الرازي

466

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ومثله يدع في رفض مصدره وماضيه ، فهذان الفعلان العابر والأمر منهما موجودان ، يقال : فلان يدع كذا ويذر ويقال : دعه وذره أما الماضي والمصدر فغير موجودين منهما والأزواج هاهنا النساء والعرب تسمي الرجل زوجا وامرأته زوجا له ، وربما ألحقوا بها الهاء . المسألة الثانية : قوله : وَالَّذِينَ مبتدأ ولا بد له من خبر ، واختلفوا في خبره على أقوال الأول : أن المضاف محذوف والتقدير ، وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن والثاني : وهو / قول الأخفش التقدير : يتربصن بعدهم إلا أنه أسقط لظهوره كقوله : السمن منوان بدرهم وقوله تعالى : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ الشورى : 43 ] والثالث : وهو قول المبرد : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ، أزواجهم يتربصن ، قال : وإضمار المبتدأ ليس بغريب قال تعالى : قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ [ الحج : 72 ] يعني هو النار ، وقوله : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ * [ يوسف : 18 ] . فإن قيل : أنتم أضمرتم هاهنا مبتدأ مضافا ، وليس ذلك شيئا واحدا بل شيئان ، والأمثلة التي ذكرتم المضمر فيها شيء واحد . قلنا : كما ورد إضمار المبتدأ المفرد ، فقد ورد أيضا إضمار المبتدأ المضاف ، قال تعالى : لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتاعٌ قَلِيلٌ [ آل عمران : 196 ، 197 ] والمعنى : تقلبهم متاع قليل الرابع : وهو قول الكسائي والفراء ، أن قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ مبتدأ ، إلا أن الغرض غير متعلق هاهنا ببيان حكم عائد إليهم ، بل ببيان حكم عائد إلى أزواجهم ، فلا جرم لم يذكر لذلك المبتدأ خبرا ، وأنكر المبرد والزجاج ذلك ، لأن مجيء المبتدأ بدون الخبر محال . المسألة الثالثة : قد بينا فيما تقدم معنى التربص ، وبينا الفائدة في قوله : بِأَنْفُسِهِنَّ وبينا أن هذا وإن كان خبرا إلا أن المقصود منه هو الأمر ، وبينا الفائدة في العدول عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر . المسألة الرابعة : قوله : وَعَشْراً مذكور بلفظ التأنيث مع أن المراد عشرة أيام ، وذكروا في العذر عنه وجوها الأول : تغليب الليالي على الأيام وذلك أن ابتداء الشهر يكون من الليل ، فلما كانت الليالي هي الأوائل غلبت ، لأن الأوائل أقوى من الثواني ، قال ابن السكيت : يقولون صمنا خمسا من الشهر ، فيغلبون الليالي على الأيام ، إذ لم يذكروا الأيام ، فإذا أظهروا الأيام قالوا صمنا خمسة أيام الثاني : أن هذه الأيام أيام الحزن والمكروه ، ومثل هذه الأيام تسمى بالليالي على سبيل الاستعارة ، كقولهم : خرجنا ليالي الفتنة ، وجئنا ليالي إمارة الحجاج والثالث : ذكره المبرد ، وهو أنه إنما أنث العشر لأن المراد به المدة ، معناه وعشر مدد ، وتلك المدة كل مدة منها يوم وليلة الرابع : ذهب بعض الفقهاء إلى ظاهر الآية ، فقال : إذا انقضى لها أربعة أشهر وعشر ليال حلت للأزواج ، فيتأول العشرة بالليالي ، وإليه ذهب الأوزاعي وأبو بكر الأصم . المسألة الخامسة : روي عن أبي العالية أن اللّه سبحانه إنما حد العدة بهذا القدر لأن الولد ينفخ فيه الروح في العشر بعد الأربعة ، وهو أيضا منقول عن الحسن البصري . المسألة السادسة : اعلم أن هذه العدة واجبة في كل امرأة مات عنها زوجها إلا في صورتين أحدهما : أن تكون أمة فإنها تعتد عند أكثر الفقهاء نصف عدة الحرة ، وقال أبو بكر الأصم : عدتها عدة الحرائر ، وتمسك