فخر الدين الرازي
280
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أكله فلهذا السبب عبر اللّه تعالى عنه بالأكل . المسألة الثالثة : « الباطل » في اللغة الزائل الذاهب ، يقال : بطل الشيء بطولا فهو باطل ، وجمع الباطل بواطل ، وأباطيل جمع أبطولة ، ويقال : بطل الأجير يبطل بطالة إذا تعطل واتبع اللهو . أما قوله تعالى : وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : الإدلاء مأخوذ من إدلاء الدلو ، وهو إرسالك إياها في البئر للاستقاء يقال . أدليت دلوي أدليها إدلاء فإذا استخرجتها قلت دلوتها قال تعالى : فَأَدْلى دَلْوَهُ [ يوسف : 19 ] ، ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل أدلاء ، ومنه يقال للمحتج : أدلى بحجته ، كأنه يرسلها ليصير إلى مراده كإدلاء المستقي الولد ليصل إلى مطلوبه من الماء ، وفلان يدلى إلى الميت بقرابة أو رحم ، إذا كان منتسبا إليه فيطلب الميراث بتلك النسبة ، طلب المستحق بالدلو الماء ، إذا عرفت هذا فنقول : أنه داخل في حكم النهي ، والتقدير : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ، ولا تدلوا إلى الحكام ، أي لا ترشوها إليهم لتأكلوا طائفة من أموال الناس بالباطل ، وفي تشبيه الرشوة بالإدلاء وجهان أحدهما : أن الرشوة رشاء الحاجة ، فكما أن الدلو المملوء من الماء يصل من البعيد إلى القريب بواسطة الرشاء فالمقصود البعيد يصير قريبا بسبب الرشوة والثاني : أن الحاكم بسبب أخذ الرشوة يمضي في ذلك الحكم من غير تثبت كمضي الدلو في الإرسال ، ثم المفسرون ذكروا وجوها أحدها : قال ابن عباس والحسن وقتادة : المراد منه الودائع وما لا يقوم عليه بينة وثانيها : أن المراد هو مال اليتيم في يد الأوصياء يدفعون بعضه إلى الحاكم ليبقى عليهم بعضه وثالثها : أن المراد من الحاكم شهادة الزور ، وهو قول الكلبي ورابعها : قال الحسن : المراد هو أن يحلف ليذهب حقه وخامسها : هو أن يدفع إلى الحاكم رشوة ، وهذا أقرب إلى الظاهر ، ولا يبعد أيضا حمل اللفظ على الكل ، لأنها بأسره أكل بالباطل . أما قوله تعالى : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فالمعنى وأنتم تعلمون أنكم مبطلون ، ولا شك أن الإقدام على القبيح مع العلم بقبحه أقبح ، وصاحبه بالتوبيخ أحق ، روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه قال ، اختصم رجلان إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم : عالم بالخصومة وجاهل بها ، فقضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم للعالم ، فقال من قضى عليه : يا رسول اللّه والذي لا إله إلا هو إني محق فقال : إن شئت أعاوده ، فعاوده فقضى للعالم ، فقال المقضى عليه مثل ما قال أولا ثم عاوده ثالثا ، ثم قال عليه الصلاة والسلام : « من اقتطع حق امرئ مسلم بخصومته فإنما اقتطع قطعة من النار » فقال العالم المقضي له : يا رسول اللّه إن الحق حقه ، فقال عليه الصلاة والسلام : « من اقطع بخصومته وجد له حق غيره فليتبوأ مقعده من النار » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 189 ] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 189 ) الحكم التاسع في الآية مسائل :