فخر الدين الرازي

281

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الأولى : نقل عن ابن عباس أنه قال : ما كان قوم أقل سؤالا من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلّم سألوا عن أربعة عشر حرفا فأجيبوا . وأقول : ثمانية منها في سورة البقرة أولها : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [ البقرة : 186 ] وثانيها : هذه الآية ثم الستة الباقية بعد في سورة البقرة ، فالمجموع ثمانية في هذه السورة والتاسع : قوله تعالى في سورة المائدة : يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ [ المائدة : 4 ] والعاشر : في سورة الأنفال يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ [ الأنفال : 1 ] والحادي عشر : في بني إسرائيل يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [ الأسراء : 85 ] والثاني عشر : في الكهف وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [ الكهف : 83 ] والثالث عشر : في طه وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ [ طه : 105 ] والرابع عشر : في النازعات يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ [ النازعات : 42 ] ولهذه الأسئلة ترتيب عجيب : اثنان منها في الأول في شرح المبدأ فالأول : قوله : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي [ البقرة : 186 ] وهذا سؤال عن الذات والثاني : قوله : يَسْئَلُونَكَ / عَنِ الْأَهِلَّةِ وهذا سؤال عن صفة الخلاقية والحكمة في جعل الهلال على هذا الوجه ، واثنان منها في الآخرة في شرح المعاد أحدهما : قوله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ والثاني : قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها * [ الأعراف : 187 ] ونظير هذا أنه ورد في القرآن سورتان أولهما : يا أَيُّهَا النَّاسُ * [ البقرة : 21 ] أحدهما : في النصف الأول : وهي السورة الرابعة من سورة النصف الأول ، فإن أولاها الفاتحة وثانيتها البقرة وثالثها آل عمران ورابعتها النساء وثانيتهما : في النصف الثاني من القرآن وهي أيضا السورة الرابعة من سور النصف الثاني أولاها مريم ، وثانيتها طه ، وثالثتها الأنبياء ، ورابعتها الحج ، ثم يا أَيُّهَا النَّاسُ * التي في النصف الأول تشتمل على شرح المبدأ فقال يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ [ النساء : 1 ] و يا أَيُّهَا النَّاسُ * التي في النصف الثاني تشتمل على شرح المعاد فقال : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [ الحج : 1 ] فسبحان من له في هذا القرآن أسرار خفية ، وحكم مطوية لا يعرفها إلا الخواص من عبيده . المسألة الثانية : روي أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم وكل واحد منهما كان من الأنصار قالا يا رسول اللّه : ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي ، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا ، لا يكون على حالة واحدة كالشمس ، فنزلت هذه الآية ويروى أيضا عن معاذ أن اليهود سألت عن الأهلة . واعلم أن قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ليس فيه بيان إنهم عن أي شيء سألوا لكن الجواب كالدال على موضع السؤال ، لأن قوله : قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ يدل على أن سؤالهم كان على وجه الفائدة والحكمة في تغير حال الأهلة في النقصان والزيادة ، فصار القرآن والخبر متطابقين في أن السؤال كان عن هذا المعنى . المسألة الثالثة : الأهلة جمع هلال وهو أول حال القمر حين يراه الناس ، يقال له : هلال ليلتين من أول الشهر ثم يكون قمرا بعد ذلك ، وقال أبو الهيثم : يسمى القمر ليلتين من أول الشهر هلالا ، وكذلك ليلتين من آخر الشهر ، ثم يسمى ما بين ذلك قمرا ، قال الزجاج : فعال يجمع في أقل العدد على أفعلة ، نحو مثال وأمثلة ، وحمار وأحمرة ، وفي أكثر العدد يجمع على فعل مثل حمر لأنهم كرهوا في التضعيف فعل ، نحو هلل وخلل ، فاقتصروا على جمع أدنى العدد .