فخر الدين الرازي

275

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

فيه لعظمت المشقة ودخلت المرافق في الغسل أخذا بالأوثق ، ثم سواء قلنا إنه مجمل أو غير مجمل ، فقد ورد الحديث الصحيح فيه ، وهو ما روى عمر رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « إذا أقبل الليل من هاهنا ، وأدبر النهار من هاهنا ، وقد غربت الشمس فقد أفطر الصائم » فهذا الحديث يدل على أن الصوم ينتهي في هذا الوقت . فأما أنه يجب على المكلف أن يتناول عند هذا الوقت شيئا ، فالدليل عليه ما روى الشافعي رضي اللّه تعالى عنه بإسناده عن ابن عمر أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم نهى عن الوصال ، قيل : يا رسول اللّه تواصل ، أي كيف تنهانا عن أمر أنت تفعله ؟ فقال : « إني لست مثلكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني » ، وقيل فيه معان أحدها : أنه كان يطعم ويسقى من طعام الجنة والثاني : أنه عليه الصلاة والسلام قال : « إني على ثقة من أني لو احتجت إلى الطعام أطعمني مواصلا » ، وحكى محمد بن جرير الطبري عن ابن الزبير ، أنه كان يواصل سبعة أيام ، فلما كبر جعلها خمسا ، فلما كبر جدا جعلها ثلاثا ، فظاهر كلام الشافعي رضي اللّه عنه يدل على أن هذا النهي نهي تحريم ، وقيل : هو نهي تنزيه ، لأنه ترك للمباح ، وعلى هذا التأويل صح فعل ابن الزبير ، إذا عرفت هذا فنقول : إذا تناول شيئا قليلا ولو قطرة من الماء ، فعلى ذلك هو بالخيار في الاستيفاء إلا أن يخاف المرء من التقصير في صوم المستأنف ، أو في سائر العبادات ، فيلزم حينئذ أن يتناول من الطعام قدرا يزول به هذا الخوف . المسألة الثانية : اختلفوا في أن الليل ما هو ؟ فمن الناس من قال : آخر النهار على أوله ، فاعتبروا في حصول الليل زوال آثار الشمس ، كما حصل اعتبار زوال الليل عند ظهور آثار الشمس ثم هؤلاء منهم من اكتفى بزوال الحمرة ، ومنهم من اعتبر ظهور الظلام التام وظهور الكواكب ، إلا أن الحديث الذي رواه عمر يبطل ذلك وعليه عمل الفقهاء . المسألة الثالثة : الحنفية تمسكوا بهذه الآية في أن التبييت والتعيين غير معتبر في صحة الصوم ، قالوا : الصوم في اللغة هو الإمساك ، وقد وجد هاهنا فيكون صائما ، فيجب عليه إتمامه ، لقوله تعالى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ فوجب القول بصحته ، لأن الإمساك حرج ومشقة وعسر وهو منفي بقوله تعالى : ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] وقوله : وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] ترك العمل به في الصوم الصحيح فيبقى غير الصحيح على الأصل ، ثم نقول : مقتضى هذا الدليل ، أن يصح صوم / الفرض بنية بعد الزوال إلا أنا قلنا : الأقل يلحق بالأغلب فلا جرم أبطلنا الصوم بنية بعد الزوال وصححنا نيته قبل الزوال . المسألة الرابعة : الحنفية تمسكوا بهذه الآية في أن صوم النفل يجب إتمامه قالوا : لأن قوله تعالى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أمر وهو للوجوب ، وهو يتناول كل الصيامات ، والشافعية قالوا : هذا إنما ورد لبيان أحكام صوم الفرض ، فكان المراد منه صوم الفرض . الحكم السابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة الاعتكاف قوله تعالى : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ . اعلم أنه تعالى لما بين الصوم ، وبين أن من حكمه تحريم المباشرة ، كان يجوز أن يظن في الاعتكاف أن حاله كحال الصوم في أن الجماع يحرم فيه نهارا لا ليلا ، فبين تعالى تحريم المباشرة فيه نهارا وليلا ، فقال :