فخر الدين الرازي

276

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ثم في الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الشافعي رضي اللّه عنه : الاعتكاف اللغوي ملازمة المرء للشيء وحبس نفسه عليه ، برا كان أو إثما ، قال تعالى : يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ [ الأعراف : 138 ] والاعتكاف الشرعي : المكث في بيت اللّه تقربا إليه ، وحاصله راجع إلى تقييد اسم الجنس بالنوع بسبب العرف ، وهو من الشرائع القديمة ، قال اللّه تعالى : أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ [ البقرة : 125 ] وقال تعالى : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ . المسألة الثانية : لو لمس الرجل المرأة بغير شهوة جاز ، لأن عائشة رضي اللّه عنها كانت ترجل رأس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وهو معتكف ، أما إذا لمسها بشهوة ، أو قبلها ، أو باشرها فيما دون الفرج ، فهو حرام على المعتكف ، وهل يبطل بها اعتكافه ؟ للشافعي رحمه اللّه فيه قولان : الأصح أنه يبطل ، وقال أبو حنيفة ، لا يفسد الاعتكاف إذا لم ينزل ، احتج من قال بالإفساد أن الأصل في لفظ المباشرة ملاقاة البشرتين ، فقوله : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ منع من هذه الحقيقة ، فيدخل فيه الجماع وسائر هذه الأمور ، لأن مسمى المباشرة حاصل في كلها . فإن قيل : لم حملتم المباشرة في الآية المتقدمة على الجماع ؟ قلنا : لأن ما قبل الآية يدل على أنه هو الجماع ، وهو قوله : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ وسبب نزول تلك الآية يدل على أنه هو الجماع ، ثم لما أذن في الجماع كان ذلك إذنا فيما دون الجماع بطريق الأولى ، أما هاهنا فلم يوجد شيء من هذه القرائن ، فوجب إبقاء لفظ المباشرة على موضعه الأصلي وحجة من قال : إنها لا تبطل الاعتكاف ، أجمعنا على أن هذه المباشرة لا تفسد الصوم والحج ، / فوجب أن لا تفسد الاعتكاف لأن الاعتكاف ليس أعلى درجة منهما والجواب : أن النص مقدم على القياس . المسألة الثالثة : اتفقوا على أن شرط الاعتكاف ليس الجلوس في المسجد وذلك لأن المسجد مميز عن سائر البقاع من حيث إنه بني لإقامة الطاعات فيه ، ثم اختلفوا فيه فنقل عن علي رضي اللّه عنه أنه لا يجوز إلا في المسجد الحرام والحجة فيه قوله تعالى : أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ [ البقرة : 125 ] فعين ذلك البيت لجميع العاكفين ، ولو جاز الاعتكاف في غيره لما صح ذلك العموم وقال عطاء : لا يجوز إلا في المسجد الحرام ومسجد المدينة ، لما روى عبد اللّه بن الزبير أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي » وقال حذيفة : يجوز في هذين المسجدين وفي مسجد بيت المقدس لقوله عليه الصلاة والسلام : « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا » وقال الزهري : لا يصح إلا في الجامع وقال أبو حنيفة : لا يصح إلا في مسجد له إمام راتب ومؤذن راتب ، وقال الشافعي رضي اللّه عنه : يجوز في جميع المساجد ، إلا أن المسجد الجامع أفضل حتى لا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة ، واحتج الشافعي رضي اللّه عنه بهذه الآية لأن قوله : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ عام يتناول كل المساجد . المسألة الرابعة : يجوز الاعتكاف بغير صوم والأفضل أن يصوم معه ، وقال أبو حنيفة لا يجوز إلا بالصوم ، حجة الشافعي رضي اللّه عنه هذه الآية ، لأنه بغير الصوم عاكف واللّه تعالى منع العاكف من مباشرة المرأة ولو