فخر الدين الرازي
246
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ إلى قوله : أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ [ البقرة : 196 ] أي فلحق فعليه فدية فثبت أن الإضمار جائز ، أما أن الدليل دل على وقوعه ففي تقريره وجوه الأول : قال القفال : قوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [ البقرة : 185 ] يدل على وجوب الصوم ولقائل أن يقول هذا ضعيف وبيانه من وجهين الأول : أنا إذا أجرينا ظاهر قوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [ البقرة : 185 ] على العموم لزمنا الإضمار في قوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وقد بينا في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين التخصيص وبين الإضمار كان تحمل التخصيص أولى والثاني : وهو أن ظاهر قوله تعالى : فَلْيَصُمْهُ يقتضي الوجوب عينا ، ثم إن هذا الوجوب منتف في حق المريض والمسافر ، فهذه الآية مخصوصة في حقهما على جميع التقديرات سواء أجرينا قوله تعالى فعليه : عدة مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ على ظاهره أو لم نفعل ذلك وإذا كان كذلك وجب إجراء هذه الآية على ظاهرها من غير إضمار . الوجه الثاني : ما ذكره الواحدي في كتاب البسيط ، فقال : القضاء إنما يجب بالإفطار لا بالمرض والسفر ، فلما أوجب اللّه القضاء والقضاء مسبوق بالفطر ، دل على أنه لا بد من إضمار الإفطار وهذا في غاية السقوط لأن اللّه تعالى لم يقل : فعليه قضاء ما مضى بل قال : فعليه صوم عدة من أيام أخر وإيجاب الصوم عليه في أيام أخر لا يستدعي أن يكون مسبوقا بالإفطار . الوجه الثالث : ما روى أبو داود في سننه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن حمزة الأسلمي سأل النبي صلى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه هل أصوم على السفر ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : « صم إن شئت وأفطر إن شئت » ولقائل أن يقول : هذا يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد لأن ظاهر القرآن يقتضي وجوب صوم سائر الأيام ، فرفع هذا الخبر غير جائز إذا ثبت ضعف هذه الوجوه ، فالاعتماد في إثبات المذهب على قوله تعالى بعد هذه الآية : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ وسيأتي بيان وجه الاستدلال إن شاء اللّه تعالى . المسألة الثامنة : لمذهب القائلين بأن الصوم جائز فرعان : الفرع الأول : اختلفوا في أن الصوم أفضل أم الفطر ؟ فقال أنس بن مالك وعثمان بن أبي أوفى الصوم أفضل وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك والثوري وأبي يوسف ومحمد ، وقالت طائفة أفضل الأمرين الفطر وإليه ذهب ابن المسيب والشعبي والأوزاعي وأحمد وإسحاق ، وقالت فرقة ثالثة : أفضل الأمرين أيسرهما على المرء . حجة الأولين : قوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وقوله تعالى : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ . حجة الفرقة الثانية : أن القصر في الصلاة أفضل ، فوجب أن يكون الإفطار أفضل . والجواب : أن من أصحابنا من قال : الإتمام أفضل إلا أنه ضعيف ، والفرق من وجهين : أحدهما : أن الذمة تبقى مشغولة بقضاء الصوم دون الصلاة إذا قصرها والثاني : أن فضيلة الوقت تفوت بالفطر ولا تفوت بالقصر . حجة الفرقة الثالثة : قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] فهذا يقتضي أنه إن كان الصوم أيسر عليه صام وإن كان الفطر أيسر أفطر .