فخر الدين الرازي
247
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الفرع الثاني : أنه إذا أفطر كيف يقضي ؟ فمذهب علي وابن عمر والشعبي أنه يقضيه متتابعا وقال الباقون : التتابع مستحب وإن فرق جاز حجة الأولين وجهان الأول : أن قراءة أبي فعدة من أيام متتابعات والثاني : أن القضاء نظير الأداء فلما كان الأداء متتابعا ، فكذا القضاء . حجة الفرقة الثانية : أن قوله : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ نكرة في سياق الإثبات ، فيكون ذلك أمرا بصوم أيام على عدد تلك الأيام مطلقا ، فيكون التقييد بالتتابع مخالفا لهذا التعميم ، وعن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال : إن اللّه لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه ، إن شئت فواتر وإن شئت ففرق واللّه أعلم . و روي أن رجلا قال للنبي صلى اللّه عليه وسلّم علي أيام من رمضان أفيجزيني أن أقضيها متفرقا فقال له : « أرأيت لو كان عليك دين فقضيته الدرهم والدرهمين أما كان يجزيك ؟ فقال : نعم . قال : فاللّه أحق أن يعفو ويصفح » . المسألة التاسعة : أُخَرَ لا ينصرف لأنه حصل فيه سببان الجمع والعدل أما الجمع فلأنها جمع أخرى ، وأما العدل فلأنها جمع أخرى ، وأخرى تأنيث آخر ، وآخر على وزن أفعل ، وما كان على وزن أفعل فإنه إما أن يستعمل مع « من » أو مع الألف واللام ، يقال : زيد أفضل من عمرو وزيد الأفضل ، وكان القياس أن يقال رجل آخر من زيد كما تقول قدم أمن عمرو ، إلا أنهم حذفوا لفظ « من » لأن لفظه اقتضى معنى « من » فأسقطوا « من » اكتفاء بدلالة اللفظ عليه ، والألف واللام منافيان « من » فلما جاز استعماله بغير الألف واللام صار أخر وآخر وأخرى معدولة عن حكم نظائرها ، لأن الألف واللام استعملتا فيها ثم حذف . أما قوله تعالى : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ففيه مسائل : المسألة الأولى : القراءة المشهورة المتواترة يُطِيقُونَهُ وقرأ عكرمة وأيوب السختياني وعطاء يُطِيقُونَهُ ومن الناس من قال : هذه القراءة مروية عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد قال : / ابن جني : أما عين الطاقة فواو كقولهم : لا طاقة لي به ولا طوق لي به وعليه قراءة ( يطوقونه ) فهو يفعلونه فهو كقولك : يجشمونه . أي يكلفونه . المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بقوله : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ على ثلاثة أقوال الأول : أن هذا راجع إلى المسافر والمريض وذلك لأن المسافر والمريض قد يكون منهما من لا يطيق الصوم ومنهما من يطيق الصوم . وأما القسم الأول : فقد ذكر اللّه حكمه في قوله : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ . وأما القسم الثاني : وهو المسافر والمريض اللذان يطيقان الصوم ، فإليهما الإشارة بقوله : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ فكأنه تعالى أثبت للمريض وللمسافر حالتين في إحداهما : يلزمه أن يفطر وعليه القضاء وهي حال الجهد الشديد لو صام والثانية : أن يكون مطيقا للصوم لا يثقل عليه فحينئذ يكون مخيرا بين أن يصوم وبين أن يفطر مع الفدية . القول الثاني : وهو قول أكثر المفسرين أن المراد من قوله : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ المقيم الصحيح فخيره اللّه تعالى أولا بين هذين ، ثم نسخ ذلك وأوجب الصوم عليه مضيقا معينا .