فخر الدين الرازي

94

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أعم وأشمل ، ولا تختص رحمته بذلك النوع بل هو رحيم من حيث أنه دافع للمضار التي هي الرأفة وجالب للمنافع معاً . المسألة الثانية : ذكروا في وجه تعلق هذين الاسمين بما قبلهما وجوهاً . أحدها : أنه تعالى لما أخبر أنه لا يضيع إيمانهم قال : إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [ الحج : 65 ] والرؤوف الرحيم كيف يتصور منه هذه الإضاعة . وثانيها : أنه لرؤف رحيم فلذلك ينقلكم من شرع إلى شرع آخر وهو أصلح لكم وأنفع في الدين والدنيا . وثالثها : قال : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فكأنه تعالى قال : وإنما هداهم اللّه ولأنه رؤوف رحيم . المسألة الثالثة : قرأ عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم : لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ مهموزاً غير مشبع على وزن رعف والباقون لَرَؤُفٌ مثقلًا مهموزاً مشبعاً على وزن رعوف وفيه أربع لغات رئف أيضاً كحزر ، ورأف على وزن فعل . المسألة الرابعة : استدلت المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى لا يخلق الكفر ولا الفساد قالوا لأنه تعالى بين أنه بالناس لرؤف رحيم ، والكفار من الناس فوجب أن يكون رؤفاً رحيماً بهم ، / وإنما يكون كذلك لو لم يخلق فيهم الكفر الذي يجرهم إلى العقاب الدائم والعذاب السرمدي ، ولو لم يكلفهم ما لا يطيقون فإنه تعالى لو كان مع مثل هذا الإضرار رؤفاً رحيماً فعلى أي طريق يتصور أن لا يكون رؤفاً رحيماً واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مراراً واللّه أعلم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 144 ] قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 144 ) [ في قوله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ] [ المسألة الأولى ] اعلم أن قوله : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فيه قولان : القول الأول : وهو المشهور الذي عليه أكثر المفسرين أن ذلك كان لانتظار تحويله من بيت المقدس إلى الكعبة ، والقائلون بهذا القول ذكروا وجوهاً . أحدها : أنه كان يكره التوجه إلى بيت المقدس ، ويجب التوجه إلى الكعبة ، إلا أنه ما كان يتكلم بذلك فكان يقلب وجهه في السماء لهذا المعنى ، روي عن ابن عباس أنه قال : « يا جبريل وددت أن اللّه تعالى صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فقد كرهتها » فقال له جبريل : « أنا عبد مثلك فأسال ربك ذلك » فجعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يديم النظر إلى السماء رجاء مجيء جبريل بما سأل فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، وهؤلاء ذكروا في سبب هذه المحنة أمورا . الأول : أن اليهود كانوا يقولون : إنه يخالفنا ثم إنه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل ، فعند ذلك كره أن يتوجه إلى قبلتهم . الثاني : أن الكعبة كانت قبلة إبراهيم . الثالث : أنه عليه السلام كان يقدر أن يصير ذلك سبباً لاستمالة العرب ولدخولهم في الإسلام . الرابع : أنه عليه السلام أحب أن يحصل هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه لا في مسجد آخر ، واعترض القاضي على هذا الوجه وقال : أنه لا يليق به عليه السلام أن يكره قبلة أمر أن يصلي إليها ، وأن يحب أن يحوله ربه عنها إلى قبلة يهواها بطبعه ، ويميل إليها بحسب شهوته لأنه عليه السلام علم وعلم أن الصلاح في خلاف الطبع والميل :