فخر الدين الرازي
95
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
واعلم أن هذا التأويل قليل التحصيل ، لأن المستنكر من الرسول أن يعرض عما أمره اللّه تعالى به ، ويشتغل بما يدعوه طبعه إليه ، فأما أن يميل قلبه إلى شيء فيتمنى في قلبه أن يأذن اللّه له فيه ، فذلك مما لا إنكار عليه ، لا سيما إذا لم ينطق به ، أي بعد في أن يميل طبع الرسول إلى شيء فيتمنى في قلبه أن يأذن اللّه له فيه ، وهذا مما / لا استبعاد فيه بوجه من الوجوه . الوجه الثاني : أنه عليه السلام قد أستأذن جبريل عليه السلام في أن يدعو اللّه تعالى بذلك فأخبره جبريل بأن اللّه قد أذن له في هذا الدعاء ، وذلك لأن الأنبياء لا يسألون اللّه تعالى شيئاً إلا بإذن منه لئلا يسألوا ما لا صلاح فيه فلا يجابوا إليه فيفضي ذلك إلى تحقير شأنهم ، فلما أذن اللّه تعالى له في الإجابة علم أنه يستجاب إليه فكان يقلب وجهه في السماء ينتظر مجيء جبريل عليه السلام بالوحي في الإجابة . الوجه الثالث : قال الحسن : إن جبريل عليه السلام أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يخبره أن اللّه تعالى سيحول القبلة عن بيت المقدس إلى قبلة أخرى ، ولم يبين له إلى أي موضع يحولها ، ولم تكن قبلة أحب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم من الكعبة فكان رسول اللّه يقلب وجهه في السماء ينتظر الوحي ، لأنه عليه السلام علم أن اللّه تعالى لا يتركه بغير صلاة ، فأتاه جبريل عليه السلام فأمره أن يصل نحو الكعبة والقائلون بهذا الوجه اختلفوا فمنهم من قال : إنه عليه السلام منع من استقبال بيت المقدس ولم يعين له القبلة ، فكان يخاف أن يرد وقت الصلاة ولم تظهر القبلة فتتأخر صلاته فلذلك كان يقلب وجهه عن الأصم ، وقال آخرون : بل وعد بذلك وقبلة بيت المقدس باقية بحيث تجوز الصلاة إليها ، لكن لأجل الوعد كان يتوقع ذلك ، ولأنه كان يرجو عند التحويل عن بيت المقدس إلى الكعبة وجوهاً كثيرة من المصالح الدينية ، نحو : رغبة العرب في الإسلام ، والمباينة عن اليهود ، وتمييز الموافق من المنافق ، فلهذا كان يقلب وجهه ، وهذا الوجه أولى ، وإلا لما كانت القبلة الثانية ناسخة للأولى ، بل كانت مبتدأة ، والمفسرون أجمعوا على أنها ناسخة للأولى ، ولأنه لا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلا مع بيان موضع التوجه . الرابع : أن تقلب وجهه في السماء هو الدعاء . القول الثاني : وهو قول أبي مسلم الأصفهاني ، قالوا : لولا الأخبار التي دلت على هذا القول وإلا فلفظ الآية يحتمل وجهاً آخر ، وهو أنه يحتمل أنه عليه السلام إنما كان يقلب وجهه في أول مقدمه المدينة ، فقد روي أنه عليه السلام كان إذا صلى بمكة جعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس ، وهذه صلاة إلى الكعبة فلما هاجر لم يعلم أين يتوجه فانتظر أمر اللّه تعالى حتى نزل قوله : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ . المسألة الثانية : اختلفوا في صلاته إلى بيت المقدس ، فقال قوم : كان بمكة يصلي إلى الكعبة فلما صار إلى المدينة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً ، وقال قوم : بل كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس ، إلا أنه يجعل الكعبة بينه وبينها : وقال قوم : بل كان يصلي إلى بيت المقدس فقط وبالمدينة أولًا سبعة عشر شهراً ، ثم أمره اللّه تعالى بالتوجه إلى الكعبة لما فيه من الصلاح . المسألة الثالثة : اختلفوا في توجه النبي صلى اللّه عليه وسلّم إلى بيت المقدس هل كان فرضاً / لا يجوز غيره ، أو كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم مخيراً في توجهه إليه وإلى غيره ، فقال الربيع بن أنس : قد كان مخيراً في ذلك وقال ابن عباس : كان التوجه إليه فرضاً محققاً بلا تخيير .