فخر الدين الرازي
55
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أجابه إليه ، وحينئذ يتوجه الإشكال ، فإن في زمان أجداد محمد صلى اللّه عليه وسلّم لم يكن أحد من العرب مسلماً ، ولم يكن أحد سوى العرب من ذرية إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام . والجواب : قال القفال : أنه لم يزل في ذريتهما من يعبد اللّه وحده ولا يشرك به شيئاً ، ولم تزال الرسل من ذرية إبراهيم ، وقد كان في الجاهلية : زيد بن عمرو بن نفيل ، وقس بن ساعدة ، ويقال عبد المطلب بن هاشم جد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وعامر بن الظرب كانوا على دين الإسلام يقرون بالإبداء والإعادة ، والثواب والعقاب ، ويوحدون اللّه تعالى ، ولا يأكلون الميتة ، ولا يعبدون الأوثان . / أما قوله تعالى : وَأَرِنا مَناسِكَنا ففيه مسائل : المسألة الأولى : في أَرِنا قولان ، الأول : معناه علمنا شرائع حجنا إذ أمرتنا ببناء البيت لنحجه وندعوا الناس إلى حجه ، فعلمنا شرائعه وما ينبغي لنا أن نأتيه فيه من عمل وقول مجاز هذا من رؤية العلم ، قال اللّه تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [ الفرقان : 45 ] ، أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ [ الفيل : 1 ] . الثاني : أظهرها لأعيننا حتى نراها . قال الحسن : إن جبريل عليه السلام أرى إبراهيم المناسك كلها ، حتى بلغ عرفات ، فقال : يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من المناسك ؟ قال : نعم فسميت عرفات فلما كان يوم النحر أراد أن يزور البيت عرض له إبليس فسد عليه الطريق ، فأمره جبريل عليه السلام أن يرميه بسبع حصيات ففعل ، فذهب الشيطان ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع كل ذلك يأمره جبريل عليه السلام برمي الحصيات . وهاهنا قول ثالث وهو أن المراد العلم والرؤية معاً . وهو قول القاضي لأن الحج لا يتم إلا بأمور بعضها يعلم ولا يرى ، وبعضها لا يتم الغرض منه إلا بالرؤية ، فوجب حمل اللفظ على الأمرين جميعاً وهذا ضعيف ، لأنه يقتضي حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز معاً وأنه جائز ، فبقي القول المعتبر وهو القولان الأولان ، فمن قال بالقول الثاني قال : إن المناسك هي المواقف والمواضع التي يقام فيها شرائع الحج كمنى وعرفات والمزدلفة ونحوها ، ومن قال بالأول قال : إن المناسك هي أعمال الحج كالطواف والسعي والوقوف . المسألة الثانية : النسك هو التعبد ، يقال للعابد ناسك ثم سمى الذبح نسكاً والذبيحة نسيكة ، وسمى أعمال الحج مناسك . قال عليه السلام : « خذوا عن مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا » . والمواضع التي تقام فيها شرائع الحج تسمى : مناسك أيضاً ، ويقال : المنسك بفتح السين بمعنى الفعل ، وبكسر السين بمعنى المواضع ، كالمسجد والمشرق والمغرب ، قال اللّه تعالى : لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ [ الحج : 67 ] قرئ بالفتح والكسر ، وظاهر الكلام يدل على الفعل ، وكذلك قوله عليه السلام : « خذوا عني مناسككم » أمرهم بأن يتعلموا أفعاله في الحج لا أنه أراد : خذوا عني مواضع نسككم إذا عرفت هذا فنقول : إن حملنا المناسك على مناسك الحج ، فإن حملناها على الأفعال فالإراءة لتعريف تلك الأعمال ، وإن حملناها على المواضع فالإراءة لتعريف البقاع ومن المفسرين من حمل المناسك على الذبيحة فقط ، وهو خطأ ، لأن الذبيحة إنما تسمى نسكاً لدخولها تحت التعبد ، ولذلك لا يسمون ما يذبح للأكل بذلك فما لأجله سميت الذبيحة نسكاً ، وهو كونه عملا من أعمال الحج قائم في سائر الأعمال ، فوجب دخول الكل فيه وإن حملنا المناسك على ما يرجع إليه أصل هذه اللفظة من العبادة والتقرب إلى اللّه تعالى ، واللزوم لما يرضيه وجعل ذلك عاماً لكل ما شرعه اللّه تعالى