فخر الدين الرازي

56

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

لإبراهيم عليه السلام فقوله : وَأَرِنا مَناسِكَنا أي علمنا كيف نعبدك ، وأين نعبدك وبما ذا نتقرب إليك حتى نخدمك به كما يخدم العبد مولاه . المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير وأبو عمرو في بعض الروايات أَرِنا بإسكان الراء في كل القرآن ، ووافقهما عاصم وابن عامر في حرف واحد ، في حم السجدة أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا [ فصلت : 29 ] وقرأ أبو عمرو في بعض الروايات الظاهرة عنه باختلاس كسرة الراء من غير إشباع في كل القرآن ، والباقون بالكسرة مشبعة ، وأصله أرئنا بالهمزة المكسورة ، نقلت كسرة الهمزة إلى الراء وحذفت الهمزة وهو الاختيار لأن أكثر القراء عليه ، ولأنه سقطت الهمزة فلا ينبغي أن تسكن الراء لئلا يجحف بالكلمة وتذهب الدلالة على الهمزة ، وأما التسكين فعلى حذف الهمزة وحركتها وعلى التشبيه بما سكن كقولهم : فخذ وكبد ، وأما الاختلاس فلطلب الخفة وبقاء الدلالة على حذف الهمزة . أما قوله : وَتُبْ عَلَيْنا ففيه مسائل : المسألة الأولى : احتج من جوز الذنب على الأنبياء بهذه الآية قال : لأن التوبة مشروطة بتقدم الذنب ، فلو لا تقدم الذنب وإلا لكان طلب التوبة طلباً للمحال ، وأما المعتزلة فقالوا : إنا نجوز الصغيرة على الأنبياء فكانت هذه التوبة توبة من الصغيرة ، ولقائل أن يقول : إن الصغائر قد صارت مكفرة بثواب فاعلها وإذا صارت مكفرة فالتوبة عنها محال ، لأن تأثير التوبة في إزالتها وإزالة الزائل محال . وهاهنا أجوبة أخر نصلح لمن جوز الصغائر ولمن لم يجوزها ، وهي من وجوه . أولها : يجوز أن يأتي بصورة التوبة تشديداً في الانصراف عن المعصية ، لأن من تصور نفسه بصورة النادم العازم على التحرز الشديد ، كان أقرب إلى ترك المعاصي ، فيكون ذلك لطفاً داعياً إلى ترك المعاصي ، وثانيها : أن العبد وإن اجتهد في طاعة ربه فإنه لا ينفك عن التقصير من بعض الوجوه : إما على سبيل السهو ، أو على سبيل ترك الأولى ، فكان هذا الدعاء لأجل ذلك . وثالثها : أنه تعالى لما أعلم إبراهيم عليه السلام أن في ذريته من يكون ظالماً عاصياً ، لا جرم سأل هاهنا أن يجعل بعض ذريته أمة مسلمة ، ثم طلب منه أن يوفق أولئك العصاة المذنبين للتوبة فقال : وَتُبْ عَلَيْنا أي على المذنبين من ذريتنا ، والأب المشفق على ولده إذا أذنب ولده فاعتذر الوالد عنه فقد يقول : أجرمت وعصيت وأذنبت فاقبل عذري ويكون مراده : إن ولدي أذنب فاقبل عذره ، لأن ولد الإنسان يجري مجرى نفسه ، والذي يقوي هذا التأويل وجوه الأول : ما حكى اللّه تعالى في سورة إبراهيم أنه قال : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ إبراهيم : 35 ، 36 ] فيحتمل أن يكون المعنى : ومن عصاني فإنك قادر على أن تتوب عليه إن تاب ، وتغفر له ما سلف من ذنوبه . الثاني : ذكر أن في قراءة عبد اللّه : وأرهم مناسكهم وتب عليهم . الثالث : أنه قال عطفاً على هذا : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ . الرابع : تأولوا قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ [ الأعراف : 11 ] بجعل خلقه إياه خلقاً لهم إذا كانوا منه ، فكذلك لا يبعد أن يكون قوله : أَرِنا مَناسِكَنا أي أر ذريتنا . المسألة الثانية : احتج الأصحاب بقوله : وَتُبْ عَلَيْنا على أن فعل العبد خلق اللّه تعالى ، قالوا لأنه عليه السلام طلب من اللّه تعالى أن يتوب عليه ، فلو كانت التوبة مخلوقة للعبد ، لكان طلبها من اللّه تعالى محالًا