فخر الدين الرازي

21

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الثالثة : اللام في قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ لام الاختصاص أي هو خالقهما ومالكهما ، وهو كقوله : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [ الرحمن : 17 ] وقوله : بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [ المعارج : 40 ] ، و رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ * [ المزمل : 9 ] ثم أنه سبحانه أشار بذكرهما إلى ذكر من بينهما من المخلوقات ، كما قال : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت : 11 ] . المسألة الرابعة : الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم وإثبات التنزيه ، وبيانه من وجهين ، الأول : أنه تعالى قال : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فبين أن هاتين الجهتين مملوكتان له وإنما كان كذلك لأن الجهة أمر ممتد في الوهم طولًا وعرضاً وعمقاً ، وكل ما كان كذلك فهو منقسم ، وكل منقسم فهو مؤلف مركب ، وكل ما كان كذلك فلا بد له من خالق وموجد ، وهذه الدلالة عامة في الجهات كلها ، أعني الفوق والتحت ، فثبت بهذا أنه تعالى خالق الجهات كلها ، والخالق متقدم على المخلوق لا محالة ، فقد كان الباري تعالى قبل خلق العالم منزهاً عن الجهات والأحياز ، فوجب أن يبقى بعد خلق العالم كذلك لا محالة لاستحالة انقلاب الحقائق والماهيات . الوجه الثاني : أنه تعالى قال : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ولو كان اللّه تعالى جسماً وله وجه جسماني لكان وجهه مختصاً بجانب معين وجهة معينة فما كان يصدق قوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فلما نص اللّه تعالى على ذلك علمنا أنه تعالى منزه عن الجسمية واحتج الخصم بالآية من وجهين ، الأول : أن الآية تدل على ثبوت الوجه للّه تعالى والوجه لا يحصل إلا لمن كان جسماً . الثاني : أنه تعالى وصف نفسه بكونه واسعاً ، والسعة من صفة الأجسام . والجواب عن الأول : أن الوجه وإن كان في أصل اللغة عبارة عن العضو المخصوص لكنا بينا أنا لو حملناه هاهنا على العضو لكذب قوله تعالى : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ لأن الوجه لو كان محاذياً للمشرق لاستحال في ذلك الزمان أن يكون محاذياً للمغرب أيضا ، فإذن لا بد فيه من التأويل وهو من وجوه . الأول : أن إضافة وجه اللّه كإضافة بيت اللّه وناقة اللّه ، والمراد منها الإضافة بالخلق والإيجاد على سبيل التشريف ، فقوله : فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أي : فثم وجهه الذي وجهكم إليه لأن المشرق والمغرب له بوجهيهما ، والمقصود من القبلة إنما يكون قبلة لنصبه تعالى إياها / فأي وجه من وجوه العالم المضاف إليه بالخلق والإيجاد نصبه وعينه فهو قبلة . الثاني : أن يكون المراد من الوجه القصد والنية قال الشاعر : أستغفر اللّه ذنباً لست أحصيه * رب العباد إليه الوجه والعمل ونظيره قوله تعالى : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ الأنعام : 79 ] . الثالث : أن يكون المراد منه فثم مرضاة اللّه ، ونظيره قوله تعالى : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ [ الإنسان : 9 ] يعني لرضوان اللّه ، وقوله : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] يعني ما كان لرضا اللّه ، ووجه الاستعارة أن من أراد الذهاب إلى إنسان فإنه لا يزال يقرب من وجهه وقدامه ، فكذلك من يطلب مرضاة أحد فإنه لا يزال يقرب من مرضاته ، فلهذا سمي طلب الرضا بطلب وجهه . الرابع : أن الوجه صلة كقوله : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ويقول الناس هذا وجه الأمر لا يريدون به شيئاً آخر غيره ، إنما يريدون به أنه من هاهنا ينبغي أن يقصد هذا الأمر ، واعلم أن هذا التفسير صحيح في اللغة إلا أن الكلام يبقى ، فإنه يقال لهذا القائل : فما معنى قوله تعالى : فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ مع أنه لا يجوز عليه المكان فلا بد من تأويله بأن المراد : فثم قبلته التي يعبد بها ، أو ثم رحمته ونعمته