فخر الدين الرازي

22

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وطريق ثوابه والتماس مرضاته . والجواب عن الثاني : وهو أنه وصف نفسه بكونه واسعاً فلا شك أنه لا يمكن حمله على ظاهره وإلا لكان متجزئاً متبعضاً فيفتقر إلى الخالق ، بل لا بد وأن يحمل على السعة في القدرة والملك ، أو على أنه واسع العطاء والرحمة ، أو على أنه واسع الإنعام ببيان المصلحة للعبيد لكي يصلوا إلى رضوانه ، ولعل هذا الوجه بالكلام أليق ، ولا يجوز حمله على السعة في العلم ، وإلا لكان ذكر العليم بعده تكرارا ، فأما قوله : عَلِيمٌ في هذا الموضع فكالتهديد ليكون المصلي على حذر من التفريط من حيث يتصور أنه تعالى يعلم ما يخفي وما يعلن ، وما يخفى على اللّه من شيء ، فيكون متحذراً عن التساهل ، ويحتمل أن يكون قوله تعالى : واسِعٌ عَلِيمٌ أنه تعالى واسع القدرة في توفية ثواب من يقوم بالصلاة على شرطها ، وتوفية عقاب من يتكاسل عنها . المسألة الخامسة : ولى إذا أقبل ، وولى إذا أدبر ، وهو من الأضداد ومعناه هاهنا الإقبال ، وقرأ الحسن : فَأَيْنَما تُوَلُّوا بفتح التاء من التولي ، يريد فأينما توجهوا القبلة . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 116 إلى 117 ] وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ( 116 ) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 117 ) اعلم أن هذا هو النوع العاشر من مقابح أفعال اليهود والنصارى والمشركين ، [ في قوله تعالى وقالوا اتخذ اللّه ولداً سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون ] واعلم أن الظاهر قوله تعالى : وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً أن يكون راجعاً إلى قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ [ البقرة : 114 ] وقد ذكرنا أن منهم من تأوله على النصارى ، ومنهم من تأوله على مشركي العرب ، ونحن قد تأولناه على اليهود وكل هؤلاء أثبتوا الولد للّه تعالى ، لأن اليهود قالوا : عزير ابن اللّه ، والنصارى قالوا : المسيح ابن اللّه ، ومشركو العرب قالوا : الملائكة بنات اللّه فلا جرم صحت هذه الحكاية على جميع التقديرات ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : أنها نزلت في كعب بن الأشرف ، وكعب بن أسد ، ووهب بن يهودا فإنهم جعلوا عزيراً ابن اللّه ، أما قوله تعالى : سُبْحانَهُ فهو كلمة تنزيه ينزه بها نفسه عما قالوه ، كما قال تعالى في موضع آخر : سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ [ النساء : 171 ] فمرة أظهره ، ومرة اقتصر عليه لدلالة الكلام عليه ، واحتج على هذا التنزيه بقوله : بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ووجه الاستدلال بهذا على فساد مذهبهم من وجوه . الأول : أن كل ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته محدث ، وكل محدث فهو مخلوق لواجب الوجود ، والمخلوق لا يكون ولدا ، أما بيان أن ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته ، فلأنه لو وجد موجودان واجبان لذاتهما لاشتركا في وجوب الوجود ، ولامتاز كل واحد منهما عن الآخر بما به التعين ، وما به المشاركة ، غير ما به الممايزة ، ويلزم تركب كل واحد منهما من قيدين ، وكل مركب فإنه مفتقر إلى كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه من غيره ، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته ، فكل واحد من الموجودين الواجبين لذاتهما ممكن لذاته ، وهذا خلف ، ثم نقول : إن كان كل واحد من ذينك الجزءين واجباً عاد التقسيم المذكور فيه ، ويقضى إلى كونه مركباً من أجزاء غير متناهية ، وذلك محال ، ومع تسليم أنه غير محال فالمقصود حاصل ، لأن كل كثرة فلا بد فيها من الواحد ، فتلك الآحاد إن كانت واجبة لذواتها كانت مركبة على ما ثبت ، فالبسيط مركب هذا خلف ، وإن كانت ممكنة كان المركب المفتقر إليها أولى بالإمكان ، فثبت بهذا البرهان أن كل ما عدا الموجود الواجب ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته فهو محتاج إلى المؤثر ، وتأثير ذلك