فخر الدين الرازي

523

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

لسان يوشع ، وإذا حملناه على لسان يوشع زال الإشكال . وأما قوله تعالى : فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً فقد مر تفسيره في قصة آدم عليه السلام وهو أمر إباحة . أما قوله تعالى : وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً ففيه بحثان . الأول : اختلفوا في الباب على وجهين : أحدهما : وهو قول ابن عباس والضحاك ومجاهد وقتادة إنه باب يدعى باب الحطة من بيت المقدس ، وثانيهما : حكى الأصم عن بعضهم أنه عنى بالباب جهة من جهات القرية ومدخلًا إليها . الثاني : اختلفوا في المراد بالسجود فقال الحسن أراد به نفس السجود الذي هو إلصاق / الوجه بالأرض وهذا بعيد لأن الظاهر يقتضي وجوب الدخول حال السجود فلو حملنا السجود على ظاهره لامتنع ذلك ، ومنهم من حمله على غير السجود ، وهؤلاء ذكروا وجهين : الأول : رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أن المراد هو الركوع ، لأن الباب كان صغيراً ضيقاً يحتاج الداخل فيه إلى الانحناء ، وهذا بعيد لأنه لو كان ضيقاً لكانوا مضطرين إلى دخوله ركعاً فما كان يحتاج فيه إلى الأمر . الثاني : أراد به الخضوع وهو الأقرب ، لأنه لما تعذر حمله على حقيقة السجود وجب حمله على التواضع ، لأنهم إذا أخذوا في التوبة فالتائب عن الذنب لا بد أن يكون خاضعاً مستكيناً . أما قوله تعالى : وَقُولُوا حِطَّةٌ ففيه وجوه . أحدها : وهو قول القاضي : المعنى أنه تعالى بعد أن أمرهم بدخول الباب على وجه الخضوع أمرهم بأن يقولوا ما يدل على التوبة ، وذلك لأن التوبة صفة القلب ، فلا يطلع الغير عليها ، فإذا اشتهر واحد بالذنب ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن شاهد منه الذنب ، لأن التوبة لا تتم إلا به ، إذ الأخرس تصح توبته وإن لم يوجد منه الكلام بل لأجل تعريف الغير عدوله عن الذنب إلى التوبة ، ولإزالة التهمة عن نفسه ، وكذلك من عرف بمذهب خطأ ، ثم تبين له الحق فإنه يلزمه أن يعرف إخوانه الذين عرفوه بالخطإ عدوله عنه ، لتزول عنه التهمة في الثبات على الباطل وليعودوا إلى موالاته بعد معاداته ، فلهذا السبب ألزم اللّه تعالى بني إسرائيل مع الخضوع الذي هو صفة القلب أن يذكروا اللفظ الدال على تلك التوبة وهو قوله : وَقُولُوا حِطَّةٌ [ البقرة : 58 ] ، فالحاصل أنه أمر القوم بأن يدخلوا الباب على وجه الخضوع وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب وخضوع الجوارح والاستغفار باللسان ، وهذا الوجه أحسن الوجوه وأقربها إلى التحقيق . ثانيها : قول الأصم : إن هذه اللفظة من ألفاظ أهل الكتاب أي لا يعرف معناها في العربية . وثالثها : قال صاحب الكشاف ( حطة ) فعلة من الحط كالجلسة والركبة وهي خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة أو أمرك حطة والأصل النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات كقوله : صبر جميل فكلانا مبتلي والأصل صبراً على تقدير اصبر صبراً ، وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب . ورابعها : قول أبي مسلم الأصفهاني معناه أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها ، وزيف القاضي ذلك بأن قال : لو كان المراد ذلك لم يكن غفران خطاياهم متعلقاً به ولكن قوله : وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ [ البقرة : 58 ] ، يدل على أن غفران الخطايا كان لأجل قولهم حطة ، ويمكن الجواب عنه بأنهم لما حطوا في تلك القرية حتى يدخلوا سجداً مع التواضع كان الغفران متعلقاً به . وخامسها : قول القفال : معناه اللهم حط عنا ذنوبنا فإنا إنما انحططنا لوجهك