فخر الدين الرازي

524

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وإرادة التذلل لك ، فحط عنا ذنوبنا . فإن قال قائل : هل كان التكليف وارداً بذكر هذه اللفظة بعينها أم لا ؟ قلنا روي عن ابن عباس أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها وهذا محتمل ولكن الأقرب خلافه لوجهين . أحدهما : أن هذه اللفظة عربية وهم / ما كانوا يتكلمون بالعربية ، وثانيهما : وهو الأقرب أنهم أمروا بأن يقولوا قولًا دالًا على التوبة والندم والخضوع حتى أنهم لو قالوا مكان قولهم : حِطَّةٌ اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان المقصود حاصلًا ، لأن المقصود من التوبة ، إما القلب وإما اللسان ، أما القلب فالندم ، وأما اللسان فذكر لفظ يدل على حصول الندم في القلب وذلك لا يتوقف على ذكر لفظة بعينها . أما قوله تعالى : نَغْفِرْ لَكُمْ فالكلام في المغفرة قد تقدم . ثم هاهنا بحثان : الأول : أن قوله : نَغْفِرْ لَكُمْ ذكره اللّه تعالى في معرض الامتنان ، ولو كان قبول التوبة واجباً عقلًا على ما تقوله المعتزلة لما كان الأمر كذلك ، بل كان أداء للواجب وأداء الواجب لا يجوز ذكره في معرض الامتنان . الثاني : هاهنا قراءات . أحدها : قرأ أبو عمرو وابن المنادي بالنون وكسر الفاء . وثانيها : قرأ نافع بالياء وفتحها . وثالثها : قرأ الباقون من أهل المدينة وجبلة عن المفضل بالتاء وضمها وفتح الفاء ، ورابعها : قرأ الحسن وقتادة وأبو حيوة والجحدري بالياء وضمها وفتح الفاء . قال القفال : والمعنى في هذه القراءات كلها واحد ، لأن الخطيئة إذا غفرها اللّه تعالى فقد غفرت وإذا غفرت فإنما يغفرها اللّه ، والفعل إذا تقدم الاسم المؤنث وحال بينه وبين الفاعل حائل جاز التذكير والتأنيث كقوله : وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ [ هود : 67 ] والمراد من الخطيئة الجنس لا الخطيئة الواحدة بالعدد . أما قوله تعالى : خَطاياكُمْ ففيه قراءات ، أحدها : قرأ الجحدري « خطيئتكم » بمدة وهمزة وتاء مرفوعة بعد الهمزة على واحدة . وثانيها : الأعمش « خطيئاتكم » بمدة وهمزة وألف بعد الهمزة قبل التاء وكسر التاء . وثالثها : الحسن كذلك إلا أنه يرفع التاء ، ورابعها : الكسائي خطاياكم بهمزة ساكنة بعد الطاء قبل الياء ، وخامسها : ابن كثير بهمزة ساكنة بعد الياء وقبل الكاف . وسادسها : الكسائي بكسر الطاء والتاء ، والباقون بإمالة الياء فقط . أما قوله تعالى : وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فإما أن يكون المراد من المحسن من كان محسناً بالطاعة في هذا التكليف أو من كان محسناً بطاعات أخرى في سائر التكاليف . أما على التقدير الأول : فالزيادة الموعودة يمكن أن تكون من منافع الدنيا وأن تكون من منافع الدين . أما الاحتمال الأول : وهو أن تكون من منافع الدنيا ، فالمعنى أن من كان محسناً بهذه الطاعة فإنا نزيده سعة في الدنيا ونفتح عليه قرى غير هذه القرية ، وأما الاحتمال الثاني : وهو أن تكون من منافع الآخرة ، فالمعنى أن من كان محسناً بهذه الطاعة والتوبة فإنا نغفر له خطاياه ونزيده على غفران الذنوب إعطاء الثواب الجزيل كما قال : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [ يونس : 26 ] ، أي نجازيهم بالإحسان إحساناً وزيادة كما جعل الثواب للحسنة الواحدة عشراً ، وأكثر من ذلك ، وأما إن كان المراد من « المحسنين » من كان محسناً بطاعات أخرى بعد هذه التوبة ، فيكون المعنى أنا نجعل دخولكم الباب سجداً وقولكم حطة مؤثراً في غفران الذنوب ، ثم إذا أتيتم بعد ذلك بطاعات أخرى أعطيناكم / الثواب على تلك الطاعات الزائدة ، وفي الآية تأويل آخر ، وهو أن المعنى من كان خاطئاً غفرنا له ذنبه بهذا الفعل ، ومن لم يكن خاطئاً بل كان محسناً زدنا في إحسانه ، أي كتبنا تلك الطاعة في حسناته وزدناه زيادة منا فيها فتكون المغفرة للمؤمنين والزيادة للمطيعين .