فخر الدين الرازي
586
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
عن عبادة غيره ، ولا شك أن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته سبحانه ، وجميع ما يجب ويجوز ويستحيل عليه وبالعلم بوحدانيته وبراءته عن الأضداد والأنداد والبراءة عن الصاحبة والأولاد ، ومسبوق أيضاً بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي والرسالة ، فقوله : لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ يتضمن كل ما اشتمل عليه علم الكلام وعلم الفقه والأحكام لأن العبادة لا تتأتى إلا معها . التكليف الثاني : قوله تعالى : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وفيه مسائل : المسألة الأولى : يقال : بم يتصل الباء في قوله تعالى : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وعلام انتصب ؟ قلنا فيه ثلاثة أقوال : الأول : قال الزجاج : انتصب على معنى أحسنوا بالوالدين إحساناً . والثاني : قيل على معنى وصيناهم بالوالدين إحساناً لأن اتصال الباء به أحسن على هذا الوجه ولو كان على الأول لكان وإلى الوالدين كأنه قيل : وأحسنوا إلى الوالدين . الثالث : قيل : بل هو على الخبر المعطوف على المعنى الأول يعني أن تعبدوا وتحسنوا . المسألة الثانية : إنما أردف عبادة اللّه بالإحسان إلى الوالدين لوجوه . أحدها : أن نعمة اللّه تعالى على العبد أعظم ، فلا بد من تقديم شكره على شكر غيره ثم بعد نعمة اللّه فنعمة الوالدين أعم النعم ، وذلك لأن الوالدين هما الأصل والسبب في كون الولد ووجوده كما أنهما منعمان عليه بالتربية ، وأما غير الوالدين فلا يصدر عنه الإنعام بأصل الوجود ، بل بالتربية فقط ، فثبت أن إنعامهما أعظم وجوه الإنعام بعد إنعام اللّه تعالى . وثانيها : أن اللّه سبحانه هو المؤثر في وجود الإنسان في الحقيقة والوالدان هما المؤثران في وجوده بحسب العرف الظاهر ، فلما ذكر المؤثر الحقيقي أردفه بالمؤثر بحسب العرف الظاهر . وثالثها : أن اللّه تعالى لا يطلب بإنعامه على العبد عوضاً البتة بل المقصود إنما هو محض الإنعام والوالدان كذلك ، فإنهما لا يطلبان على الإنعام على الولد عوضاً مالياً ولا ثواباً ، فإن من ينكر الميعاد يحسن إلى ولده ويربيه ، فمن هذا الوجه أشبه إنعامهما إنعام اللّه تعالى . الرابع : أن اللّه تعالى لا يمل من الإنعام على العبد ولو أتى العبد بأعظم الجرائم ، فإنه لا يقطع عنه مواد نعمه وروادف كرمه ، وكذا الوالدان لا يملان الولد ولا يقطعان عنه مواد منحهما وكرمهما ، وإن كان الولد مسيئاً إلى الوالدين . الخامس : كما أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح وطلب الزيادة ويصونه عن البخس والنقصان ، فكذا الحق سبحانه وتعالى متصرف في طاعة العبد فيصونها عن الضياع ثم إنه سبحانه يجعل أعماله التي لا تبقى كالشئ الباقي أبد الآباد كما قال : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [ البقرة : 261 ] . السادس : أن نعمة اللّه وإن كانت أعظم من نعمة الوالدين ولكن نعمة اللّه معلومة بالاستدلال ونعمة الوالدين معلومة بالضرورة ، إلا أنها قليلة بالنسبة إلى نعم اللّه فاعتدلا من هذه الجهة والرجحان لنعم اللّه فلا جرم جعلنا نعم الوالدين كالتالية لنعم اللّه تعالى . المسألة الثالثة : اتفق أكثر العلماء على أنه يجب تعظيم الوالدين وإن كانا كافرين ، ويدل عليه وجوه . أحدها : أن قوله في هذه الآية : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً غير مقيد بكونهما مؤمنين أم لا ، ولأنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف مشعر بعلية الوصف ، فدلت هذه الآية على أن الأمر بتعظيم الوالدين لمحض كونهما والدين وذلك يقتضي العموم ، وهكذا الاستدلال بقوله تعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً . وثانيها : قوله تعالى : فَلا تَقُلْ لَهُما / أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما الآية ، وهذا نهاية المبالغة في المنع من إيذائهما ، ثم إنه تعالى قال في آخر الآية : وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً