فخر الدين الرازي

587

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ الإسراء : 23 ، 24 ] فصرح ببيان السبب في وجوب هذا التعظيم . وثالثها : أن اللّه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه كيف تلطف في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله : يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً [ مريم : 42 ] ثم إن أباه كان يؤذيه ويذكر الجواب الغليظ وهو عليه السلام كان يتحمل ذلك ، وإذا ثبت ذلك في حق إبراهيم عليه السلام ثبت مثله في حق هذه الأمة لقوله تعالى : ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [ النحل : 123 ] . المسألة الرابعة : اعلم أن الإحسان إليهما هو ألا يؤذيهما البتة ويوصل إليهما من المنافع قدر ما يحتاجان إليه ، فيدخل فيه دعوتهما إلى الإيمان إن كانا كافرين وأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين . التكليف الثالث : قوله تعالى : وَذِي الْقُرْبى وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الشافعي رضي اللّه عنه : لو أوصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث المحرم وغير المحرم ، ولا يدخل الأب والابن لأنهما لا يعرفان بالقريب ، ويدخل الأحفاد والأجداد ، وقيل : لا يدخل الأصول والفروع وقيل بدخول الكل . وهاهنا دقيقة ، وهي أن العرب يحفظون الأجداد العالية فيتسع نسلهم وكلهم أقارب ، فلو ترقينا إلى الجد العالي وحسبنا أولاده كثروا ، فلهذا قال الشافعي رضي اللّه عنه : يرتقي إلى أقرب جد ينتسب هو إليه ويعرف به وإن كان كافراً ، وذكر الأصحاب في مثاله : أنه لو أوصى لأقارب الشافعي رضي اللّه عنه فإنا نصرفه إلى بني شافع دون بني المطلب وبني عبد مناف وإن كانوا أقارب ، لأن الشافعي ينتسب في المشهور إلى شافع دون عبد مناف . قال الشيخ الغزالي : وهذا في زمان الشافعي ، أما في زماننا فلا ينصرف إلا إلى أولاد الشافعي رضي اللّه عنه ولا يرتقي إلى بني شافع لأنه أقرب من يعرف به أقاربه في زماننا ، أما قرابة الأم فإنها تدخل في وصية العجم ولا تدخل في وصية العرب على الأظهر ، لأنهم لا يعدون ذلك قرابة ، أما لو قال لأرحام فلان دخل فيه قرابة الأب والأم . المسألة الثانية : اعلم أن حق ذي القربى كالتابع لحق الوالدين لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين والاتصال بالوالدين مقدم على الاتصال بذي القربى ، فلهذا أخر اللّه ذكره عن الوالدين ، وعن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : « إن الرحم سجنة من الرحمن فإذا كان يوم القيامة يقول : أي رب إني ظلمت ، إني أسيء إلي ، إني قطعت . قال فيجيبها ربها : ألا ترضين أني أقطع من قطعك وأصل من وصلك ، ثم قرأ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ، والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة ، فلو لم يحصل شيء من ذلك لكان ذلك أشق على القلب وأبلغ في الإيمام والإيحاش والضرورة ، وكلما كان أقوى كان دفعه أوجب ، فلهذا وجبت رعاية حقوق الأقارب . التكليف الرابع : قوله تعالى : وَالْيَتامى وفيه مسألتان : المسألة الأولى : اليتيم الذي مات أبوه حتى يبلغ الحلم وجمعه أيتام ويتامى ، كقولهم : نديم وندامى ، ولا يقال لمن ماتت أمه إنه يتيم . قال الزجاج : هذا في الإنسان ، أما في غير الإنسان فيتمه من قبل أمه . المسألة الثانية : اليتيم كالتالي لرعاية حقوق الأقارب وذلك لأنه لصغره لا ينتفع به وليتمه وخلوه عمن