فخر الدين الرازي

560

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

تعالى هذه الآية . الثاني : وهو قول الحسن أنه خطاب مع الرسول والمؤمنين . قال القاضي : وهذا أليق بالظاهر لأنه عليه السلام وإن كان الأصل في الدعاء فقد كان في الصحابة من يدعوهم إلى الإيمان ويظهر لهم الدلائل وينبههم عليها ، فصح أن يقول تعالى : أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ويريد به الرسول ومن هذا حاله من أصحابه وإذا كان ذلك صحيحاً فلا وجه لترك الظاهر . المسألة الثانية : المراد بقوله : أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ هم اليهود الذين كانوا في زمن الرسول عليه السلام لأنهم الذين يصح فيهم الطمع في أن يؤمنوا وخلافه لأن الطمع إنما يصح في المستقبل لا في الواقع . المسألة الثالثة : ذكروا في سبب الاستبعاد وجوهاً . أحدها : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم مع أنهم ما آمنوا بموسى عليه السلام ، وكان هو السبب في أن اللّه خلصهم من الذل وفضلهم على الكل ، ومع ظهور المعجزات المتوالية على يده وظهور أنواع العذاب على المتمردين . الثاني : أفتطمعون أن يؤمنوا ويظهروا التصديق ومن علم منهم الحق لم يعترف بذلك ، بل غيره وبدله . الثالث : أفتطمعون أن يؤمن لكم هؤلاء من طريق النظر والاستدلال وكيف وقد كان فريق من أسلافهم يسمعون كلام اللّه ويعلمون أنه حق ثم يعاندونه . المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : القوم مكلفون بأن يؤمنوا باللّه . فما الفائدة في قوله : أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ [ العنكبوت : 26 ] الجواب : أنه يكون إقراراً لهم بما دعوا إليه ولو كان الإيمان للّه كما قال تعالى : فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ لما أقر بنبوته وبتصديقه ، ويجوز أن يراد بذلك أن يؤمنوا لأجلكم ولأجل تشددكم في دعائهم إليه فيكون هذا معنى الإضافة . أما قوله تعالى : وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ فقد اختلفوا في ذلك الفريق ، منهم من قال : المراد بالفريق من كان في أيام موسى عليه السلام لأنه تعالى وصف هذا الفريق بأنهم يسمعون كلام اللّه . والذين سمعوا كلام اللّه هم أهل الميقات ، ومنهم من قال : بل المراد بالفريق من كان في زمن محمد عليه الصلاة والسلام ، وهذا أقرب لأن الضمير في قوله تعالى : وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ راجع إلى ما تقدم وهم الذين عناهم اللّه تعالى بقوله : أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وقد بينا أن الذين تعلق الطمع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام . فإن قيل : الذين سمعوا كلام اللّه هم الذين حضروا الميقات ، قلنا : لا نسلم بل قد يجوز فيمن سمع التوراة أن يقال : إنه سمع كلام اللّه كما يقال لأحدنا سمع كلام اللّه إذا قرئ عليه القرآن . أما قوله تعالى : ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال القفال : التحريف التغيير والتبديل وأصله من الانحراف عن الشيء والتحريف عنه ، قال تعالى : إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ [ الأنفال : 16 ] والتحريف هو إمالة الشيء عن حقه ، يقال : قلم محرف إذا كان رأسه قط مائلًا غير مستقيم . المسألة الثانية : قال القاضي : إن التحريف إما أن يكون في اللفظ أو في المعنى ، وحمل التحريف على تغيير اللفظ أولى من حمله على تغيير المعنى ، لأن كلام اللّه تعالى إذا كان باقياً على جهته وغيروا تأويله فإنما يكونون مغيرين لمعناه لا لنفس الكلام المسموع ، فإن أمكن أن يحمل على ذلك كما روي عن ابن عباس من أنهم زادوا فيه ونقصوا فهو أولى ، وإن لم يمكن ذلك فيجب أن يحمل على تغيير تأويله وإن كان التنزيل ثابتاً ،