فخر الدين الرازي
561
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وإنما يمتنع ذلك إذا ظهر كلام اللّه ظهوراً متواتراً كظهور القرآن ، فأما قبل أن يصير كذلك فغير ممتنع تحريف نفس كلامه ، لكن ذلك ينظر فيه ، فإن كان تغييرهم له يؤثر في قيام الحجة به فلا بد من أن يمنع اللّه تعالى منه وإن لم يؤثر في ذلك صح / وقوعه فالتحريف الذي يصح في الكلام يجب أن يقسم على ما ذكرناه ، فأما تحريف المعنى فقد يصح على وجه ما ، لم يعلم قصد الرسول فيه باضطرار فإنه متى علم ذلك امتنع منهم التحريف لما تقدم من علمهم بخلافه كما يمتنع الآن أن يتأول متأول تحريم لحم الخنزير والميتة والدم على غيرها . المسألة الثالثة : اعلم أنا إن قلنا بأن المحرفين هم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام ، فالأقرب أنهم حرفوا ما لا يتصل بأمر محمد صلى اللّه عليه وسلم . روي أن قوماً من السبعين المختارين سمعوا كلام اللّه حين كلم موسى بالطور وما أمر به موسى وما نهى عنه ، ثم قالوا : سمعنا اللّه يقول في آخره : إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم أن لا تفعلوا فلا بأس ، وأما إن قلنا : المحرفون هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام فالأقرب أن المراد تحريف أمر محمد عليه الصلاة والسلام ، وذلك إما أنهم حرفوا نعت الرسول وصفته أو لأنهم حرفوا الشرائع كما حرفوا آية الرجم وظاهر القرآن لا يدل على أنهم أي شيء حرفوا . المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : كيف يلزم من إقدام البعض على التحريف حصول اليأس من إيمان الباقين ، فإن عند البعض لا ينافي إقرار الباقين ؟ أجاب القفال عنه فقال : يحتمل أن يكون المعنى كيف يؤمن هؤلاء وهم إنما يأخذون دينهم ويتعلمونه من قوم هم يتعمدون التحريف عناداً ، فأولئك إنما يعلمونهم ما حرفوه وغيروه عن وجهه والمقلدة لا يقبلون إلا ذلك ولا يلتفتون إلى قول أهل الحق وهو كقولك للرجل : كيف تفلح وأستاذك فلان ! أي وأنت عنه تأخذ ولا تأخذ عن غيره . المسألة الخامسة اختلفوا في قوله : أَ فَتَطْمَعُونَ فقال قائلون : آيسهم اللّه تعالى من إيمان هذه الفرقة وهم جماعة بأعيانهم . وقال آخرون : لم يؤيسهم من ذلك إلا من جهة الاستبعاد له منهم مع ما هم عليه من التحريف والتبديل والعناد ، قالوا : وهو كما لا نطمع لعبيدنا وخدمنا أن يملكوا بلادنا . ثم إنا لا نقطع بأنهم لا يملكون بل نستبعد ذلك . ولقائل أن يقول : إن قوله تعالى : أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ استفهام على سبيل الإنكار ، فكان ذلك جزماً بأنهم لا يؤمنون البتة فإيمان من أخبر اللّه عنه أنه لا يؤمن ممتنع ، فحينئذ تعود الوجوه المقررة للخبر على ما تقدم . أما قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ ، فالمراد أنهم علموا بصحته وفساد ما خلقوه فكانوا معاندين مقدمين على ذلك بالعمد ، فلأجل ذلك يجب أن يحمل الكلام على أنهم العلماء منهم وأنهم فعلوا ذلك لضرب من الأغراض على ما بينه اللّه تعالى من بعد في قوله تعالى : وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا [ آل عمران : 187 ] وقال تعالى : يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ * [ البقرة : 146 ] [ الأنعام : 20 ] ويجب أن يكون في عددهم قلة لأن الجمع العظيم لا يجوز عليهم كتمان ما يعتقدون لأنا إن جوزنا ذلك لم يعلم المحق من المبطل وإن كثر العدد . أما قوله تعالى : وَهُمْ يَعْلَمُونَ فلقائل أن يقول : قوله تعالى : عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ تكرار / لا فائدة فيه : أجاب القفال عنه من وجهين ، الأول : من بعد ما عقلوه مراد اللّه فأولوه تأويلًا فاسداً يعلمون أنه غير مراد اللّه تعالى . الثاني : أنهم عقلوا مراد اللّه تعالى ، وعلموا أن التأويل الفاسد يكسبهم الوزر والعقوبة من اللّه تعالى ، ومتى تعمدوا التحريف مع العلم بما فيه من الوزر كانت قسوتهم أشد وجراءتهم أعظم ، ولما كان المقصود من