فخر الدين الرازي

95

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

النكتة السابعة عشرة : قال جعفر الصادق : إنه لا بد قبل القراءة من التعوذ ، وأما سائر الطاعات فإنه لا يتعوذ فيها ، والحكمة فيه أن العبد قد ينجس لسانه بالكذب والغيبة والنميمة فأمر اللّه تعالى العبد بالتعوذ ليصير لسانه طاهرا فيقرأ بلسان طاهر كلاما أنزل من رب طيب طاهر . النكتة الثامنة عشرة : كأنه تعالى يقول : إنه شيطان رجيم ، وأنا رحمن رحيم ، فابعد عن الشيطان الرجيم لتصل إلى الرحمن الرحيم . النكتة التاسعة عشرة : الشيطان عدوك ، وأنت عنه غافل غائب ، قال تعالى : إِنَّهُ يَراكُمْ / هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [ الأعراف : 27 ] . فعلى هذا لك عدو غائب ولك حبيب غالب ، لقوله تعالى : وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ [ يوسف : 21 ] فإذا قصدك العدو الغائب فافزع إلى الحبيب الغالب ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم بمراده . الباب السابع في المسائل الملتحقة بقوله : ( أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ) المسألة الأولى : فرق بين أن يقال : « أعوذ باللّه » وبين أن يقال : ( باللّه أعوذ ) فإن الأول لا يفيد الحصر ، والثاني : يفيده ، فلم ورد الأمر بالأول دون الثاني مع أنا بينا أن الثاني أكمل وأيضا جاء قوله : « الحمد للّه » وجاء قوله : « للّه الحمد » وأما هنا فقد جاء « أعوذ باللّه » وما جاء قوله « باللّه أعوذ » فما الفرق ؟ . المسألة الثانية : قوله : ( أعوذ باللّه ) لفظه الخبر ومعناه الدعاء ، والتقدير : اللهم أعذني . ألا ترى أنه قال : وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [ آل عمران : 36 ] كقوله : « أستغفر اللّه » أي اللهم اغفر لي ، والدليل عليه أن قوله : أَعُوذُ بِاللَّهِ أخبار عن فعله ، وهذا القدر لا فائدة فيه إنما الفائدة في أن يعيذه اللّه ، فما السبب في أنه قال : « أعوذ باللّه » ولم يقل أعذني ؟ والجواب أن بين الرب وبين العبد عهدا كما قال تعالى : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ [ النحل : 91 ] وقال : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [ البقرة : 40 ] فكان العبد يقول أنا مع لؤم الإنسانية ونقص البشرية وفيت بعهد عبوديتي حيث قلت : « أعوذ باللّه » فأنت مع نهاية الكرم وغاية الفضل والرحمة أولى بأن تفي بعهد الربوبية فتقول : إني أعيذك من الشيطان الرجيم . المسألة ج : أعوذ فعل مضارع ، وهو يصلح للحال والاستقبال ، فهل هو حقيقة فيهما ؟ والحق أنه حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال ، وإنما يختص به بحرف السين وسوف . ( د ) لم وقع الاشتراك بين الحاضر والمستقبل ، ولم يقع بين الحاضر والماضي ؟ . ( ه ) كيف المشابهة بين المضارع وبين الاسم . ( و ) كيف العامل فيه ، ولا شك أنه معمول فما هو . ( ز ) قوله : ( أعوذ ) يدل على أن العبد مستعيذ في الحال وفي كل المستقبل ، وهو الكمال ، فهل يدل على أن هذه الاستعاذة باقية في الجنة .