فخر الدين الرازي
96
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
( ح ) قوله : ( أعوذ ) حكاية عن النفس ، ولا بد من الأربعة المذكورة في قوله : ( أتين ) . / أما المباحث العقلية المتعلقة بالباء في قوله أعوذ باللّه فهي كثيرة ( أ ) الباء في قوله : « باللّه » باء الإلصاق وفيه مسائل : - المسألة الأولى : البصريون يسمونه باء الإلصاق ، والكوفيون يسمونه باء الآلة ، ويسميه قوم باء التضمين ، واعلم أن حاصل الكلام أن هذه الباء متعلقة بفعل لا محالة ، والفائدة فيه أنه لا يمكن إلصاق ذلك الفعل بنفسه إلا بواسطة الشيء الذي دخل عليه ، هذا الباء فهو باء الإلصاق لكونه سببا للإلصاق ، وباء الآلة لكونه داخلا على الشيء الذي هو آلة . المسألة الثانية : اتفقوا على أنه لا بد فيه من إضمار فعل ، فإنك إذا قلت : « بالقلم » لم يكن ذلك كلاما مفيدا ، بل لا بد وأن تقول : « كتبت بالقلم » وذلك يدل على أن هذا الحرف متعلق بمضمر ، ونظيره قوله : « باللّه لأفعلن » ومعناه أحلف باللّه لأفعلن ، فحذف أحلف لدلالة الكلام عليه ، فكذا هاهنا ، ويقول الرجل لمن يستأذنه في سفره : على اسم اللّه أي سر على اسم اللّه . المسألة الثالثة : لما ثبت أنه لا بد من الإضمار فنقول : الحذف في هذا المقام أفصح ، والسبب فيه أنه لو وقع التصريح بذلك المضمر لاختص قوله : « أعوذ باللّه » بذلك الحكم المعين أما عند الحذف فإنه يذهب الوهم كل مذهب ، ويقع في الخاطر أن جميع المهمات ، لا تتم إلا بواسطة الاستعاذة باللّه ، وإلا عند الابتداء باسم اللّه ، ونظيره أنه قال : « اللّه أكبر » ولم يقل أنه أكبر من الشيء الفلاني لأجل ما ذكرناه من إفادة العموم فكذا هنا . المسألة الرابعة : قال سيبويه لم يكن لهذه الباء عمل إلا الكسر فكسرت لهذا السبب ، فإن قيل : كاف التشبيه ليس لها عمل إلا الكسر ثم إنها ليست مكسورة بل مفتوحة ، قلنا : كاف التشبيه قائم مقام الاسم ، وهو في العمل ضعيف ، أما الحرف فلا وجود له إلا بحسب هذا الأثر ، فكان فيه كلاما قويا . المسألة الخامسة : الباء قد تكون أصلية كقوله تعالى : قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف : 9 ] وقد تكون زائدة وهي على أربعة أوجه : أحدها : للإلصاق وهي كقوله : ( أعوذ باللّه ) وقوله : بِسْمِ اللَّهِ * وثانيها : للتبعيض عند الشافعي رضي اللّه عنه ، وثالثها : لتأكيد النفي كقوله تعالى : وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ فصلت : 46 ] ورابعها : للتعدية كقوله تعالى : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [ البقرة : 17 ] أي أذهب نورهم ، وخامسها : الباء بمعنى في قال : حل بأعدائك ما حل بي أي : حل في أعدائك ، وأما باء القسم ، وهو قوله : « باللّه » فهو من جنس باء الإلصاق . المسألة السادسة : قال بعضهم : الباء في قوله : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [ آل عمران : 6 ] زائدة والتقدير : وامسحوا رؤسكم ، وقال الشافعي رضي اللّه عنه إنها تفيد التبعيض ، حجة الشافي رضي اللّه عنه وجوه الأول أن هذه الباء إما أن تكون لغوا أو مفيدا ، والأول باطل ، لأن الحكم بأن كلام رب العالمين وأحكم الحاكمين لغو في غاية البعد ، وذلك لأن المقصود من الكلام إظهار الفائدة فحمله على اللغو على خلاف الأصل ، فثبت أنه يفيد فائدة زائدة ، وكل من قال بذلك قال : إن تلك الفائدة هي التبعيض ، الثاني : أن الفرق بين قوله : « مسحت بيدي