فخر الدين الرازي
43
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
حروف المد واللين : المسألة السادسة [ حروف المد واللين ] : الحروف إما مصوتة ، وهي التي تسمى في النحو حروف المد واللين ، ولا يمكن الابتداء بها أو صامتة وهي ما عداها ، أما المصوتة فلا شك أنها من الهيئات العارضة للصوت ، وأما الصوامت فمنها ما لا يمكن تمديده كالباء والتاء والدال والطاء ، وهي لا توجد / إلا في « الآن » الذي هو آخر زمان حبس النفس وأول زمان إرساله ، وهي بالنسبة إلى الصوت كالنقطة بالنسبة إلى الخط والآن بالنسبة إلى الزمان ، وهذه الحروف ليست بأصوات ولا عوارض أصوات ، وإنما هي أمور تحدث في مبدأ حدوث الأصوات ، وتسميتها بالحروف حسنة لأن الحرف هو الطرف ، وهذه الحروف أطراف الأصوات ومباديها ، ومن الصوامت ما يمكن تمديدها بحسب الظاهر ، ثم هذه على قسمين : منها ما الظن الغالب أنها آنية الوجود في نفس الأمر ، وإن كانت زمانية بحسب الحس ، مثل الحاء والخاء ، فإن الظن أن هذه جاءت آنية متوالية كل واحد منها آتي الوجود في نفس الأمر ، لكن الحس لا يشعر بامتياز بعضها عن بعض فيظنها حرفا واحدا زمانيا ، ومنها ما الظن الغالب كونها زمانية في الحقيقة كالسين والشين ، فإنها هيئات عارضة للصوت مستمرة باستمراره . المسألة السابعة : الحرف لا بد وأن يكون إما ساكنا أو متحركا ، ولا نريد به حلول الحركة والسكون فيه ، لأنهما من صفات الأجسام ، بل المراد أنه يوجد عقيب الصامت بصوت مخصوص . المسألة الثامنة : الحركات أبعاض المصوتات ، والدليل عليه أن هذه المصوتات قابلة للزيادة والنقصان ولا طرف في جانب النقصان إلا هذه الحركات ، ولأن هذه الحركات إذا مدت حدثت المصوتات وذلك يدل على قولنا . المسألة التاسعة : الصامت سابق على المصوت المقصور الذي يسمى بالحركة ، بدليل أن التكلم بهذه الحركات موقوف على التكلم بالصامت ، فلو كانت هذه الحركات سابقة على هذه الصوامت لزم الدور ، وهو محال . الكلام حادث لا قديم : المسألة العاشرة [ الكلام حادث لا قديم ] : الكلام الذي هو متركب من الحروف والأصوات فإنه يمتنع في بديهة العقل كونه قديما لوجهين : الأول : أن الكلمة لا تكون كلمة إلا إذا كانت حروفها متوالية فالسابق المنقضي محدث ، لأن ما ثبت عدمه امتنع قدمه ، والآتي الحادث بعد انقضاء الأول لا شك أنه حادث ، والثاني : أن الحروف التي منها تألفت الكلمة إن حصلت دفعة واحدة لم تحصل الكلمة ، لأن الكلمة الثلاثية يمكن وقوعها على التقاليب الستة فلو حصلت الحروف معا لم يكن وقوعها على بعض تلك الوجوه أولى من وقوعها على سائرها ، ولو حصلت على التعاقب كانت حادثة ، واحتج القائلون بقدم الحروف بالعقل والنقل : أما العقل فهو أن لكل واحد من هذه الحروف ماهية مخصوصة باعتبارها تمتاز عما سواها ، والماهيات لا تقبل / الزوال ولا العدم ، فكانت قديمة ، وأما النقل فهو أن كلام اللّه قديم ، وكلام اللّه ليس إلا هذه الحروف ، فوجب القول بقدم هذه الحروف ، أما أن كلام اللّه قديم فلأن الكلام صفة كمال وعدمه صفة نقص ، فلو لم يكن كلام اللّه قديما لزم أن يقال إنه تعالى كان في الأزل ناقصا ثم صار فيما لا يزال كاملا ، وذلك بإجماع المسلمين باطل ، وإنما قلنا إن كلام اللّه تعالى ليس