فخر الدين الرازي
44
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
إلا هذه الحروف لوجوه : أحدها : قوله تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [ التوبة : 6 ] ومعلوم أن المسموع ليس إلا هذه الحروف ، فدل هذا على أن هذه الحروف كلام اللّه ، وثانيها : أن من حلف على سماع كلام اللّه تعالى فإنه يتعلق البر والحنث بسماع هذه الحروف ، وثالثها : أنه نقل بالتواتر إلينا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : « إن هذا القرآن المسموع المتلو هو كلام اللّه » فمنكره منكر لما عرف بالتواتر من دين محمد عليه الصلاة والسلام فيلزمه الكفر . والجواب عن الأول أن ما ذكرتم غير مختص بماهية دون ماهية ، فيلزمكم قدم الكل ، وعن الثاني أن ما ذكرتم من الاستدلال خفي في مقابلة البديهيات فيكون باطلا . وصف كلام اللّه تعالى بالقدم : المسألة الحادية عشرة [ وصف كلام اللّه تعالى بالقدم ] : إذا قلنا لهذه الحروف المتوالية والأصوات المتعاقبة إنها كلام اللّه تعالى كان المراد أنها ألفاظ دالة على الصفة القائمة بذات اللّه تعالى فأطلق اسم الكلام عليها على سبيل المجاز ، وأما حديث الحنث والبر فذلك لأن مبنى الأيمان على العرف ، وإذا قلنا : كلام اللّه قديم ، لم نعن به إلا تلك الصفة القديمة التي هي مدلول هذه الألفاظ والعبارات . وإذا قلنا : كلام اللّه معجزة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، عنينا به هذه الحروف وهذه الأصوات التي هي حادثة ، فإن القديم كان موجودا قبل محمد عليه الصلاة والسلام فكيف يكون معجزة له ؟ وإذا قلنا : كلام اللّه سور وآيات ، عنينا به هذه الحروف ، وإذا قلنا : كلام اللّه فصيح ، عنينا به هذه الألفاظ ، وإذا شرعنا في تفسير كلام اللّه تعالى عنينا به أيضا هذه الألفاظ . الأصوات التي نقرأ بها ليس كلام اللّه : المسألة الثانية عشرة [ الأصوات التي نقرأ بها ليس كلام اللّه ] : زعمت الحشوية أن هذه الأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان عين كلام اللّه تعالى ، وهذا باطل ، لأنا نعلم بالبديهة أن هذه الحروف والأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان صفة قائمة بلسانه وأصواته ، فلو قلنا بأنها عين كلام اللّه تعالى لزمنا القول بأن الصفة الواحدة بعينها قائمة بذات اللّه تعالى وحالة في بدن هذا الإنسان ، وهذا معلوم الفساد بالضرورة ، وأيضا فهذا عين ما يقوله النصارى من أن أقنوم الكلمة حلت في ناسوت صريح ، وزعموا أنها حالة في ناسوت عيسى عليه السلام ، ومع ذلك فهي صفة للّه تعالى ، وغير زائلة عنه ، وهذا عين ما يقوله الحشوية من أن كلام اللّه تعالى حال في لسان هذا الإنسان / مع أنه غير زائل عن ذات اللّه تعالى ، ولا فرق بين القولين ، إلا أن النصارى قالوا بهذا القول في حق عيسى وحده ، وهؤلاء الحمقى قالوا بهذا القول الخبيث في حق كل الناس من المشرق إلى المغرب . المسألة الثالثة عشرة : قالت الكرامية : الكلام اسم للقدرة على القول ، بدليل أن القادر على النطق يقال إنه متكلم ، وإن لم يكن في الحال مشتغلا بالقول ، وأيضا فضد الكلام هو الخرس ، لكن الخرس عبارة عن العجز عن القول ، فوجب أن يكون الكلام عبارة عن القدرة على القول ، وإذا ثبت هذا فهم يقولون : إن كلام اللّه تعالى قديم ، بمعنى أن قدرته على القول قديمة ، أما القول فإنه حادث ، هذا تفصيل قولهم وقد أبطلناه . خلاف الحشوية والأشعرية في صفة القرآن : المسألة الرابعة عشرة [ خلاف الحشوية والأشعرية في صفة القرآن ] : قالت الحشوية للأشعرية : إن كان مرادكم من قولكم : « إن القرآن قديم » هو أن هذا القرآن دال على صفة قديمة متعلقة بجميع المأمورات والمحرمات وجب أن يكون كل كتاب صنف في الدنيا