فخر الدين الرازي
24
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والمولدات من الجمادات والنباتات والحيوانات وأصناف أقسامها وأحوالها - علم أن هذا المجموع مشتمل على ألف ألف مسألة أو أكثر أو أقل ، ثم إنه تعالى نبه على أن أكثرها مخلوق لمنفعة الإنسان ، كما قال تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ الجاثية : 13 ] وحينئذ يظهر أن قوله جل جلاله : الْحَمْدُ لِلَّهِ مشتمل على ألف ألف مسألة ، أو أكثر أو أقل . أنواع العالم وإمكان وجود عوالم أخرى : وأما قوله جل جلاله : رَبِّ الْعالَمِينَ فاعلم أن قوله : رَبِّ مضاف وقوله : الْعالَمِينَ مضاف إليه ، وإضافة الشيء إلى الشيء تمتنع معرفتها إلا بعد حصول العلم بالمتضايفين ، فمن المحال حصول العلم بكونه تعالى ربا للعالمين إلا بعد معرفة رب والعالمين ، ثم إن العالمين عبارة عن كل موجود سوى اللّه تعالى ، وهي على ثلاثة أقسام : المتحيزات ، والمفارقات ، والصفات . أما المتحيزات فهي إما بسائط أو مركبات ، أو البسائط فهي الأفلاك والكواكب والأمهات ، وأما المركبات فهي المواليد الثلاثة ، واعلم أنه لم يقم دليل على أنه لا جسم إلا هذه الأقسام الثلاثة ، وذلك لأنه ثبت بالدليل أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له ، وثبت بالدليل أنه تعالى قادر على جميع الممكنات ، فهو تعالى قادر على أن يخلق ألف ألف عالم خارج العالم ، / بحيث يكون كل واحد من تلك العوالم أعظم وأجسم من هذا العالم ، ويحصل في كل واحد منها مثل ما حصل في هذا العالم من العرش والكرسي والسماوات والأرضين والشمس والقمر ، ودلائل الفلاسفة في إثبات أن العالم واحد دلائل ضعيفة ركيكة مبنية على مقدمات واهية ، قال أبو العلاء المعري : - يا أيها الناس كم للّه من فلك * تجري النجوم به والشمس والقمر هين على اللّه ماضينا وغابرنا * فما لنا في نواحي غيره خطر ومعلوم أن البحث عن هذه الأقسام التي ذكرناها للمتحيزات مشتمل على ألوف ألوف من المسائل ، بل الإنسان لو ترك الكل وأراد أن يحيط علمه بعجائب المعادن المتولدة في أرحام الجبال من الفلزات والأحجار الصافية وأنواع الكباريت والزرانيخ والأملاح ، وأن يعرف عجائب أحوال النبات مع ما فيها من الأزهار والأنوار والثمار ، وعجائب أقسام الحيوانات من البهائم والوحوش والطيور والحشرات - لنفد عمره في أقل القليل من هذه المطالب ، ولا ينتهي إلى غورها كما قال تعالى : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [ لقمان : 27 ] وهي بأسرها وأجمعها داخلة تحت قوله رَبِّ الْعالَمِينَ . رحمة اللّه تعالى بعباده لا تنحصر أنواعها : وأما قوله تعالى : الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فاعلم أن الرحمة عبارة عن التخليص من أنواع الآفات ، وعن إيصال الخيرات إلى أصحاب الحاجات ، أما التخليص عن أقسام الآفات فلا يمكن معرفته إلا بعد معرفة أقسام الآفات ، وهي كثيرة لا يعلمها إلا اللّه تعالى ، ومن شاء أن يقف على قليل منها فليطالع « كتب الطب » حتى يقف عقله على أقسام الأسقام التي يمكن تولدها في كل واحد من الأعضاء والأجزاء ، ثم يتأمل في أنه تعالى كيف هدى عقول