فخر الدين الرازي

25

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الخلق إلى معرفة أقسام الأغذية والأدوية من المعادن والنبات والحيوان ، فإنه إذا خاض في هذا الباب وجده بحرا لا ساحل له . وقد حكى جالينوس أنه لما صنف كتابه في منافع أعضاء العين قال : بخلت على الناس بذكر حكمة اللّه تعالى في تخليق العصبين المجوفين ملتقيين على موضع واحد ، فرأيت في النوم كأن ملكا نزل من السماء وقال يا جالينوس ، إن إلهك يقول : لم بخلت على عبادي بذكر حكمتي ؟ قال : فانتبهت فصنفت فيه كتابا ، وقال أيضا : إن طحالي قد غلظ فعالجته بكل ما عرفت فلم ينفع ، فرأيت في الهيكل كأن ملكا نزل من السماء وأمرني بفصد العرق الذي بين الخنصر والبنصر ، وأكثر علامات الطب في أوائلها تنتهي إلى أمثال هذه التنبيهات / والإلهامات ، فإذا وقف الإنسان على أمثال هذه المباحث عرف أن أقسام رحمة اللّه تعالى على عباده خارجة عن الضبط والإحصاء . أحوال الآخرة وتقسيمها إلى عقلية وسمعية : وأما قوله تعالى : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فاعلم أن الإنسان كالمسافر في هذه الدنيا ، وسنوه كالفراسخ ، وشهوره كالأميال ، وأنفاسه كالخطوات ، ومقصده الوصول إلى عالم أخراه ، لأن هناك يحصل الفوز بالباقيات الصالحات ، فإذا شاهد في الطريق أنواع هذه العجائب في ملكوت الأرض والسماوات فلينظر أنه كيف يكون عجائب حال عالم الآخرة في الغبطة والبهجة والسعادة ، إذا عرفت هذه فنقول : قوله : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إشارة إلى مسائل المعاد والحشر والنشر ، وهي قسمان : بعضها عقلية محضة ، وبعضها سمعية : أما العقلية المحضة فكقولنا : هذا العالم يمكن تخريبه وإعدامه ، ثم يمكن إعادته مرة أخرى ، وإن هذا الإنسان بعد موته تمكن إعادته ، وهذا الباب لا يتم إلا بالبحث عن حقيقة جوهر النفس ، وكيفية أحوالها وصفاتها ، وكيفية بقائها بعد البدن ، وكيفية سعادتها وشقاوتها ، وبيان قدرة اللّه عز وجل على إعادتها ، وهذه المباحث لا تتم إلا بما يقرب من خمسمائة مسألة من المباحث الدقيقة العقلية . وأما السمعيات فهي على ثلاثة أقسام : أحدها : الأحوال التي توجد عند قيام القيامة ، وتلك العلامات منها صغيرة ، ومنها كبيرة وهي العلامات العشرة التي سنذكرها ونذكر أحوالها . وثانيها : الأحوال التي توجد عند قيام القيامة ، وهي كيفية النفخ في الصور ، وموت الخلائق ، وتخريب السماوات والكواكب ، وموت الروحانيين والجسمانيين . وثالثها : الأحوال التي توجد بعد قيام القيامة وشرح أحوال أهل الموقف ، وهي كثيرة يدخل فيها كيفية وقوف الخلق ، وكيفية الأحوال التي يشاهدونها ، وكيفية حضور الملائكة والأنبياء عليهم السلام ، وكيفية الحساب ، وكيفية وزن الأعمال ، وذهاب فريق إلى الجنة وفريق إلى النار ، وكيفية صفة أهل الجنة وصفة أهل النار ، ومن هذا الباب شرح أحوال أهل الجنة وأهل النار بعد وصولهم إليها ، وشرح الكلمات التي يذكرونها والأعمال التي يباشرونها ، ولعل مجموع هذه المسائل العقلية والنقلية يبلغ الألوف من المسائل ، وهي بأسرها داخلة تحت قوله مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . وأما قوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فاعلم أن العبادة عبارة عن الإتيان بالفعل المأمور به على