محمد بن جرير الطبري
87
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الذين ألقوا المؤمنين والمؤمنات في الأخدود . وإنما قلت : ذلك أولى التأويلين بالصواب للذي ذكرنا عن الربيع من العلة ، وهو أن الله أخبر أن لهم عذاب الحريق مع عذاب جهنم ، ولو لم يكونوا أحرقوا في الدنيا لم يكن لقوله وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ معنى مفهوم ، مع إخباره أن لهم عذاب جهنم ، لأن عذاب جهنم هو عذاب الحريق مع سائر أنواع عذابها في الآخرة ؛ والأخدود : الحفرة تحفر في الأرض . وقوله : النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ فقوله النار : رد على الأخدود ، ولذلك خفضت ، وإنما جاز ردها عليه وهي غيره ، لأنها كانت فيه ، فكأنها إذ كانت فيه هو ، فجرى الكلام عليه لمعرفة المخاطبين به بمعناه وكأنه قيل : قتل أصحاب النار ذات الوقود . ويعني بقوله : ذاتِ الْوَقُودِ ذات الحطب الجزل ، وذلك إذا فتحت الواو ، فأما الوقود بضم الواو ، فهو الاتقاد . القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ . . . إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا يقول تعالى ذكره : النار ذات الوقود ، إذ هؤلاء الكفار من أصحاب الأخدود عليها ، يعني على النار ، فقال عليها ، والمعنى أنهم قعود على حافة الأخدود ، فقيل : على النار ، والمعنى : لشفير الأخدود ، لمعرفة السامعين معناه . وكان قتادة يقول في ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ يعني بذلك المؤمنين وهذا التأويل الذي تأوله قتادة على مذهب من قال : قتل أصحاب الأخدود من أهل الأيمان . وقد دللنا على أن الصواب من تأويل ذلك غير هذا القول الذي وجه تأويله قتادة قبل . وقوله : وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ يعني : حضور . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ يعني بذلك الكفار . وقوله : وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ يقول تعالى ذكره : وما وجد هؤلاء الكفار الذين فتنوا المؤمنين على المؤمنين والمؤمنات بالنار في شيء ، ولا فعلوا بهم ما فعلوا بسبب إلا من أجل أنهم آمنوا بالله ، وقال : إلا أن يؤمنوا بالله ، لأن المعنى إلا إيمانهم بالله ، فلذلك حسن في موضعه يؤمنوا ، إذ كان الإيمان لهم صفة . الْعَزِيزِ يقول : الشديد في انتقامه ممن انتقم منه . الْحَمِيدِ يقول : المحمود بإحسانه إلى خلقه . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . فَلَهُمْ عَذابُ يقول تعالى ذكره : الذي له سلطان السماوات السبع والأرضين وما فيهن . وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ يقول تعالى ذكره : والله على فعل هؤلاء الكفار من أصحاب الأخدود بالمؤمنين الذين فتنوهم شاهد ، وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع خلقه ، وهو مجازيهم جزاءهم . وقوله : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يقول : إن الذين ابتلوا المؤمنين والمؤمنات بالله بتعذيبهم ، وإحراقهم بالنار . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثنى أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ حرقوا المؤمنين والمؤمنات . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا قال : عذبوا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال :