محمد بن جرير الطبري
88
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ قال : حرقوهم بالنار . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يقول : حرقوهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن ابن أبزى إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ حرقوهم . وقوله : ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا يقول : ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم ، الذي فعلوا بالمؤمنين والمؤمنات من أجل إيمانهم بالله فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخرة وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ في الدنيا ، كما : حدثت عن عمار ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخرة ، وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ في الدنيا . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا . . . إِنَّ بَطْشَ يقول تعالى ذكره : إن الذين أقروا بتوحيد الله ، وهم هؤلاء القوم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد . وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يقول : وعملوا بطاعة الله ، وأتمروا لأمره ، وانتهوا عما نهاهم عنه لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يقول : لهم في الآخرة عند الله بساتين تجري من تحتها الأنهار والخمر واللبن والعسل ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ يقول : هذا الذي هو لهؤلاء المؤمنين في الآخرة ، هو الظفر الكبير بما طلبوا والتمسوا بإيمانهم بالله في الدنيا ، وعملهم بما أمرهم الله به فيها ورضيه منهم . وقوله : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إن بطش ربك يا محمد لمن بطش به من خلقه ، وهو انتقامه ممن انتقم منه لشديد ، وهو تحذير من الله لقوم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، أن يحل بهم من عذابه ونقمته ، نظير الذي حل بأصحاب الأخدود على كفرهم به ، وتكذيبهم رسوله ، وفتنتهم المؤمنين والمؤمنات منهم . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ . . . لِما يُرِيدُ هَلْ اختلف أهل التأويل في معنى قوله : إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ فقال بعضهم : معنى ذلك : إن الله أبدى خلقه ، فهو يبتدئ ، بمعنى : يحدث خلقه ابتداء ، ثم يميتهم ، ثم يعيدهم أحياء بعد مماتهم ، كهيئتهم قبل مماتهم . ذكر من قال ذلك : حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : يُبْدِئُ وَيُعِيدُ يعني : الخلق . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : يُبْدِئُ وَيُعِيدُ قال : يبدئ الخلق حين خلقه ، ويعيده يوم القيامة وقال آخرون : بل معنى ذلك : إنه هو يبدئ العذاب ويعيده . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ قال : يبدئ العذاب ويعيده . وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب ، وأشبههما بظاهر ما دل عليه التنزيل ، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس ، وهو أنه يبدئ العذاب لأهل الكفر به ويعيد ، كما قال جل ثناؤه : فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ في الدنيا ، فأبدأ ذلك لهم في الدنيا ، وهو يعيده لهم في الآخرة . وإنما قلت : هذا أولى التأويلين بالصواب ، لأن الله اتبع ذلك قوله إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ فكان للبيان عن معنى شدة بطشه الذي قد ذكره قبله ، أشبه به بالبيان عما لم يجر له ذكر ؛ ومما يؤيد ما قلنا من ذلك وضوحا وصحة ، قوله : وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ فبين ذلك عن أن الذي قبله من ذكر خبره عن عذابه وشدة عقابه . وقوله : وَهُوَ