محمد بن جرير الطبري

57

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن قتادة ، قوله : وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ تعظيما ليوم القيامة ، يوم تدان فيه الناس بأعمالهم . وقوله : ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ يقول : ثم أي شيء أشعرك أي شيء يوم المجازاة والحساب يا محمد ، تعظيما لأمره . ثم فسر جل ثناؤه بعض شأنه فقال : يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً يقول : ذلك اليوم ، يوم لا تملك نفس ، يقول : يوم لا تغني نفس عن نفس شيئا ، فتدفع عنها بلية نزلت بها ، ولا تنفعها بنافعة ، وقد كانت في الدنيا تحميها ، وتدفع عنها من بغاها سوءا ، فبطل ذلك يومئذ ، لأن الأمر صار لله الذي لا يغلبه غالب ، ولا يقهره قاهر ، واضمحلت هنالك الممالك ، وذهبت الرياسات ، وحصل الملك للملك الجبار ، وذلك قوله : وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يقول : والأمر كله يومئذ ، يعني الدين لله دون سائر خلقه ، ليس لأحد من خلقه معه يومئذ أمر ولا نهي . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ قال : ليس ثم أحد يومئذ يقضي شيئا ، ولا يصنع شيئا إلا رب العالمين . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ والأمر والله اليوم لله ، ولكنه يومئذ لا ينازعه أحد . واختلفت القراء في قراءة قوله : يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ فقرأته عامة قراء الحجاز والكوفة بنصب يَوْمَ إذ كانت إضافته غير محضة . وقرأه بعض قراء البصرة بضم " يوم " ورفعه ردا على اليوم الأول ، والرفع فيه أفصح في كلام العرب ، وذلك أن اليوم مضاف إلى يفعل ، والعرب إذا أضافت اليوم إلى تفعل أو يفعل أو أفعل رفعوه فقالوا : هذا يوم أفعل كذا ، وإذا أضافته إلى فعل ماض نصبوه ؛ ومنه قول الشاعر : على حين عاتبت المشيب على الصبا * وقلت ألما تصح والشيب وازع آخر تفسير سورة إذا السماء انفطرت . [ تفسير سورة المطففين ] القول في تأويل قوله تعالى : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ . . . يَسْتَوْفُونَ وَإِذا . . . لِرَبِّ الْعالَمِينَ يقول تعالى ذكره : الوادي الذي يسيل من صديد أهل جهنم في أسفلها للذين يطففون ، يعني : للذين ينقصون الناس ، ويبخسونهم حقوقهم في مكاييلهم إذا كالوهم ، أو موازينهم إذا وزنوا لهم عن الواجب لهم من الوفاء ؛ وأصل ذلك من الشيء الطفيف ، وهو القليل النزر ، والمطفف : المقلل حق صاحب الحق عما له من الوفاء والتمام في كيل أو وزن ؛ ومنه قيل للقوم الذي يكونون سواء في حسبة أو عدد : هم سواء كطف الصاع ، يعني بذلك : كقرب الممتلئ منه ناقص عن الملء . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني أبو السائب ، قال : ثنا